• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن العنف الأسري

    ما ان طرح مشروع القانون الخاص بالعنف الاسري الذي يمارسه الرجال، ولا سيما الأزواج على النساء، والكبار على الصغار، حتى ارتفعت اصوات بعض المراجع الدينية تنادي بالويل والثبور، لكون مشروع القانون هذا يتعارض، حسب رأيها، والاحكام الالهية وصلاحيات المحاكم المذهبية، وان من شأنه “تفكيك الاسرة مثلما هو الحال اليوم في البلدان الاوروبية”، على قول بعض السياسيين. ان هذه المعارضة تطرح مسألتين مهمتين: الاولى عن العلاقة بين التقليد والاجتهاد، والثانية عن واقع الاسرة حالياً وعلى مدى التاريخ.

    لم يكن التزمّت موقف الكثير من الفقهاء ورجال الدين المسلمين في الماضي والحاضر، الذين اخذوا بالقاعدة الفقهية القائلة بأنه: “لا ينكر تبدّل الاحكام بتغيّر الازمان”، هذا لدى المسلمين، اما لدى المسيحيين فإن الفاتيكان تخلّى عن المعتقدات التي كانت تعتبر من “اسرار الكنيسة” التي لا يُعطى تفسير لها، وحلل ما كان حراماً باعتبار ان التحريم، مثله مثل التحليل، خاضع في احيان كثيرة لتطوّر الحياة ومشكلات الناس.

    واذا عدنا الى موقف الفقهاء المسلمين، فإنه لا يسعنا ان ننسى ما اقدم عليه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب القائل: “متعتان احلهما الله ورسوله وانا احرمهما واعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء”. لم تثر البراكين، ولم يعتبر اي من الصحابة المقربين واهل بيت الرسول الاقربين الذين كان معظمهم لا يزال على قيد الحياة، بأن عمر قد كفر بالله وبالرسول، وبنصوص القرآن الكريم، او انه ارتدّ. كانوا ما زالوا يذكرون الحديث الشريف القائل: “ان الله باعث في امتي على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها”.

    وباعتبار انه في كثير من الامور لا يتطابق النص مع التفسير الذي يعطيه له البعض، فقد نصح الامام علي أبا موسى الاشعري الذي انتدبه كي يكون حكماً من قبله في نزاعه مع معاوية بأن لا يقبل الاحتكام الى القرآن الكريم باعتبار انه “حمّال أوجه”، وان فيه “آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات” (آل عمران 7/3). كما توجد آيات منسوخة بما جاء بعدها.

    اما آخر خلافة اسلامية اي السلطنة العثمانية فقد أقرّت قوانين وضعية تخالف أحكام القرآن الكريم في امور مهمة، وهي قوانين لا تزال سارية المفعول في البلدان التي كانت خاضعة لتلك السلطنة ومنها لبنان كقانون الارث في الاراضي الاميرية الذي نقض قاعدة “للذكر مثل حظ الانثيين” وقاعدة عدم الاخذ بالخلفية، وغيرها من الاحكام التي استقاها القانون العثماني المذكور من القوانين المدنية السارية في البلدان الاوروبية. كذلك أقرت تلك السلطنة “قانون المرابحة” الذي اجاز الفائدة، معتبراً ان المحرّم هو فقط الربا الفاحش الذي يستغل به الغني الفقير، وانه لا يمكن في النظم الاقتصادية المعاصرة، التي تؤدي فيها المصارف دوراً محورياً في الائتمان والاقراض، ان تمنع فيها الفائدة فجرى السماح بها ضمن حد 9% في المعاملات و12% في الرهون العقارية. كل ذلك مازال سارياً.واخيراً، ماذا يمكن القول عن مشروع القانون الذي تبنته دار الفتوى وتعمل على اقراره في المجلس النيابي برفع سن الوصاية على الصبيان والبنات الى 18 عاماً بدلاً من 4 سنوات للبنت و7 للصبي، أفلا يؤدي الى تفكيك قواعد أسرية موروثة؟

    أما تاريخ الاسرة فقد كان على الدوام، وعلى مدى الازمان، تاريخ تفكيك الاشكال السابقة للأسرة واعتماد أحكام جديدة لها.

    اصبحت المساواة بين المرأة والرجل قاعدة اساسية من قواعد حقوق الانسان، تناضل النساء ومن معهن من الرجال من اجل اقرارها والعمل بها، وتوسعت العلاقات الانسانية، علاقات الصداقة والانتماء المهني والفكري، التي تحل يومياً محل الانتماء العائلي الضيق، فأصبحنا نرى من يخاطر بحياته في سبيل قضية عادلة لا علاقة لها لا بعائلته ولا بدينه ولا بوطنه على غرار اولئك الاوروبيين والاميركيين ومن بينهم يهود الذين ينتصرون لقضية الشعب الفلسطيني بأكثر مما تفعل اغلبية العرب، من بين اولئك الذين يملكون عشرات ومئات المليارات ينفقونها على مباذلهم ومعايبهم في حين يتهدد الموت جوعاً عشرات ألوف الفلسطينيين في غزة، ويتخذون عدواً لهم امرأة تقود سيارة في زمن قادت فيه فالنتينا تيريشكوفا سفينتها الى الفضاء الكوني باسم البشرية كلها دون ان تخاف من ان يعمد زوجها او ابوها او شقيقها او ابن عمها بعد عودتها الى ضربها، لكونها لم تستأذنهم في الذهاب ولا في الاياب. ان العلاقات الاسرية التي يحاول البعض عندنا الحفاظ عليها قد عفا عليها الزمن، وهي قائمة على نكران فردية الانسان، وعلى اعتبار المرأة “عورة” و”اصل السبب” لكون حواء قد نفّذت ما طلبته منها الحية التي تلبّسها ابليس.

    لا قيام لوطن ولشعب ما لم تفكك العلاقات العشائرية والعائلية التي يتداول السلطة من خلالها الابن بعد الاب، والحفيد بعد الجد، وتكون فيها السلطة العامة وراثة. وهل من الصدفة ان يكون الوزير الذي ادلى بتصريح قال فيه ان مشروع قانون العنف الاسري يهدد بتفكيك الاسرة “كما هو الحال في اوروبا وريثاً لمنصبه الوزاري من والده، وعمه وجده؟ اعقلوا هو اقرب للتقوى.

    ألبر فرحات
    جريدة النهار
    02.08.2011

    Leave a Reply