• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المسيحيّون مجدّداً

    حين قام “نظام الوصاية” في لبنان، بين 1990 و2005، صير إلى تهميش المسيحيّين. يومها شاركت في التواطؤ مع الوصاية، وأفادت منها، الأطراف الفاعلة في الشطر المسلم من دون استثناء: من “حزب الله” إلى رفيق الحريري ومن وليد جنبلاط إلى نبيه برّي. وحتّى بعد سقوط “نظام الوصاية”، جاء “التحالف الرباعيّ” تعبيراً عن القابليّة المسلمة لاستئناف التهميش المسيحيّ في ظروف مختلفة.

    هذه التجربة السوداء شكّلت، على الأرجح، السبب الأبرز في إنتاج الظاهرة العونيّة، وفي بحث أكثريّة ضيّقة من المسيحيّين اللبنانيّين عن مخرج وهميّ، شعبويّ وديماغوجيّ، من إحباطهم. ذاك أنّ النتيجة التي استخلصوها آنذاك تفيد أنّ “الشراكة الوطنيّة” زعم خالص، وأنّ “الشركاء” كلّهم مستعدّون للتضحية بهم والاستغناء عنهم، بل تحقيق أكبر النفع الممكن الذي ينجم عن تهميشهم.

    وشعور كهذا لا بدّ أنّه أوقظ فيهم بعض النائم والمكبوت من أفكار وذكريات: فما حصل ما كان ممكن الحصول لولا شيوع ثقافة أكثريّة، ضاربة الجذر في الماضي، وراسخة التجاهل للآخر المختلف. وهذا التجاهل يمكن الاستدلال عليه بعدد لا يُحصى من الخيارات الكبرى في تاريخ لبنان الحديث، حيث لم يُلتفت مرّة إلى ما يريده المسيحيّون.

    أغلب الظنّ أنّ هذه المرارة فاضت على مسيحيّي لبنان إلى مسيحيّي سوريّا، وكان للطفرة التلفزيونيّة في العقود الأخيرة أن عزّزت هذا الفيضان. ثمّ جاءت محنة المسيحيّين العراقيّين بعد سقوط صدّام ونظامه في 2003، تدفع في الاتّجاه إيّاه. لكنْ في سوريّا نفسها، عملت المصادرة المديدة للحياة السياسيّة على تخيير المسيحيّين، أو هذا ما تراءى لأكثريّتهم، بين عسكر أقلّيّ وشبه علمانيّ يحافظ عليهم، وقوى إسلاميّة، إلى هذا الحدّ أو ذاك، تبدّدهم. والآن، وبعد انتصار الثورة المصريّة، تبدو أوضاع الأقباط المسيحيّين في مصر مدعاة للقلق، وسبباً إضافيًّا لإدبار المسيحيّين عن الثورات.

    هذه اللوحة السوداء تستند إلى كثير من الحقائق، فيما تنمّ حقائقها عن تراكيب مستبدّة وضئيلة التسامح، بعضها يقيم في تكويننا العصبيّ وثقافاتنا التي لم تتعرّض للإصلاح، وبعضها الآخر ناتج عن أنظمة عسكريّة كبتُها لعب دوراً ملحوظاً في مفاقمة التعصّب عموماً. لكنّ الحقيقة التي تغيب عن هذا التحليل وعن الاستخلاصات التي تُبنى عليه أكبر من سائر الحقائق وأهمّ: إنّها المستقبل. فحين يبالغ المسيحيّون في وضع قضيّتهم المحقّة في وجه القضايا المحقّة لشعوبهم يكونون كمن يُخرج قضيّته من دائرة الحقّ ويتبرّع بها للاستبداد والطغيان. وهذا ما يُفقد الهمّ المسيحيّ في المشرق، وهموم الأقليّات استطراداً، تفوّقها الأخلاقيّ. لكنّه، إلى ذلك، يسهم في مضاعفة الأسباب التي تهدّدهم، أمنهم ووجودهم. ففي سلوكهم هذا سيزداد المتعصّبون ضدّهم تعصّباً، وستزداد في المجتمع جرعة الإسلاميّة التي يتخوّفون منها. وفي المقابل، سيعمل دعمهم العسكر السوريّ على إطالة عمر الاستبداد، ومن ثمّ إطالة عمر الكبت الذي يقوّي الاسلاميّين ويفيدهم.

    ولا بأس بالتذكير، على جبهة أخرى، بأنّ الحكم العسكريّ السوريّ هذا هو أكثر ما غيّر وأوهن لبنان، الذي يتغنّى المسيحيّون بخصوصيّتهم فيه وخصوصيّته عندهم.

    لقد حفل تاريخ الثورات بالدعوات والمحاولات الآيلة إلى التوفيق بين مطالب فئويّة وقطاعيّة (أقليّات، مرأة الخ.) ومطالب الأكثريّات الشعبيّة. وما من مكابرة في القول إنّ محاولات كهذه تنطوي على مخاطرة يؤكّدها نجاح بعض تلك المحاولات وفشل أخرى. لكنّ الحاسم أنّ في وسع الصوت الأقليّ أن يؤثّر في الحصيلة العامّة: فإذا غلّب تطلّعه الديموقراطيّ والتعدّديّ المنفتح على المستقبل والمهجوس ببناء وطن للجميع، كانت النتيجة شيئاً، وإذا غلّب الفجور المتولّد عن ذاكرة الماضي وأحقاده، كانت النتيجة شيئاً آخر. والأقليّات تملك الشيئين معاً.

    حازم صاغية
    NOW Lebanon
    01.08.2011

    Leave a Reply