• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    فؤاد بطرس أو الثورة على الانتهازية

    ما معنى دولة؟ ما معنى دستور؟ قانون؟ مؤسسات؟ مصلحة عامة…؟ وببساطة أكثر: ما معنى سياسة؟ ان قراءة واعادة قراءة مذكّرات فؤاد بطرس ومنحه جائزة الرئيس الياس الهراوي تُعيد اليوم الى لبنان “قيم الجمهورية”، حسب تعبير السيدة منى الهراوي، وهي قيم تلوثت فكرًا وممارسة طوال سنوات بدلاً من الانتقال الفعلي من “الدويلات الى الدولة”.

    عندما نتابع مسيرته ونقرأ سيرته في مذكراته نعرف أن ما يُثير الحزن استدامة ذهنية لبنانية سائدة، اذ غالباً ما نبني – أو بالأحرى نُدمّر – انطلاقًا من مغامرات ومقامرات وأوهام وغرائز وأهواء واستقواءات وأحلام هيمنة وانتصارات داخلية مُستحيلة أو مُفخخة أو مُجيّرة… لنعود بعد الدمار الى الجمهورية والدولة والميثاق اللبناني!

    مغامرات واوهام في العلاقات الخارجية

    يتألم فؤاد بطرس من المغامرات والاوهام. يقول في مذكراته: “قلما اتخذوا (اللبنانيون) من التجارب عبرة بحيث ظلت الأكثريات في كل مجموعة تتمسك في أكثر الأحيان بالطوباوية وبنظريات بالية أو مُنحرفة، الأمر الذي يساعد على استمرار الأزمة بشكل أو بآخر لاسيما وان الأطراف اللبنانيين تسابقوا أحيانًا على الارتباط بالخارج وتنفيذ سياسته”.

    فؤاد بطرس مُتمرد على الانتهازية والمصلحية والزبائنية داخليًا وفي امتداداتها ومغامراتها في العلاقات الخارجية. السياسة اللبنانية، في لبنان الساحة، هي غالباً لاسياسية تُبنى على مغامرات ومقامرات وأوهام واستقواءات وباب عال وأبواب عالية تعلو في النهاية على الوطن الصغير والرسالة وتعلو على اللاعبين الصغار انفسهم.

    كتب أحدهم سنة 1984 عن “حرب الالف عام في لبنان”، ليس بسبب طبيعة الدستور والاوضاع الاقليمية والدولية، بل بسبب ذهنية الاستمرار في مراهنات واوهام وغرائز في العلاقات الخارجية، في حين ان واقع لبنان في تكوينه البشري يحمل احلاماً واقعية ممكنة نتهرب منها للانخراط في اوهام مُستحيلة ومُدّمرة بدلاً من استنفاد الممكن، كل الممكن.

    فؤاد بطرس يحمل باستمرار وثبات، وفي اقصى المآسي والاوضاع والظروف، تفاؤل الايمان والارادة. يقول بحزم: “اني لم استسلم قط ولم ارضخ للضغط الهادف الى الموافقة على أي تدبير او التزام حاولوا فرضه على لبنان لا يتلاءم واقتناعاتي”.

    ويقول: “اود ان انوه بأني بالرغم من كل الصعوبات لم ايأس في اية لحظة ولكني كنت دائمًا أنظر الى الامور بواقعية واذا كُنت اراها سوداء فلانها كذلك (…) الفرق كبير بين التشاؤم الملازم للاستسلام، والواقعية التي تشكل حافظًا للسعي والعمل الدؤوب حتى نيل المُبتغى. اما التفاؤل المبني على معطيات غير صحيحة، فهو من وجوه الضلال، وتغليب للخيال على الواقع وللتمنيات على الحقائق، وعند الاستحقاق تكون الخيبة الكبرى حيث لا ينفع الندم”.

    يعود تألم فؤاد بطرس الى: “نشوء قواعد جديدة للحياة السياسية في لبنان لم اكن موافقًا عليها”. وما يذكره حول “التزاوج بين الواقع والحلم” هو ميزة الكبار في التاريخ من القديسين والابطال والمُصلحين تجاه الصغائر البشرية والانتهازية. فهل نحن شعب لم يتعلم بعد، أو لا يتعلم أبدًا، وما زال في سن المراهقة ولم تبلغ مواثيقه سن الرشد؟ المطلوب ان نتعلم! وماذا نتعلم من فؤاد بطرس الذي وُصف احيانًا بالمعلم؟ في مُذكراته يتذكر “ويُذكّر”، ولا يسرد الماضي الا في سبيل المستقبل ولاستعادة البوصلة المفقودة.

    الارتقاء الى الشأن العام

    من ابرز قيم الجمهورية استعادة معنى السياسة كما عاشها ومارسها. تُختزل اليوم السياسة بالمماحكة والمشاكسة والصراع على النفوذ والمواقع والموارد والتنافس والتعبئة النزاعية، في حين ان السياسة هي أيضًا ادارة الشأن العام. فؤاد بطرس الذي اختاره الرئيس فؤاد شهاب سنة 1959 وزيراً للتربية الوطنية والتصميم لم يكن مُقدَّراً له، بحسب الأعراف والتقاليد اللبنانية ولا انطلاقًا من نهج تربيته، ان يمتهن السياسة. لم يمتهنها الا في ارقى معاني الشأن العام.

    دون سياسة سياسية مضمونًا وغاية – وليس مماحكة – تتقاذف المصالح الاقليمية والدولية لبنان الساحة. يقول فؤاد بطرس ان السياسة تأتلف مع التسوية ومع الديبلوماسية بفضل “الحزم والمرونة” في آن واحد واللجوء الى “التسوية عند الضرورة القصوى شرط الا تكون مُخزية”، ويقول: “الامر الذي اضطرني مُكرهًا، في بعض الاحيان، الى مواجهة دول شقيقة او صديقة تخاذلت، ولم تكترث لقضايانا، او اخفت اهدافها عبر المناورة والتحايل”.

    والسياسة “السياسية”، مضمونًا وهدفية وسلوكًا، تتطلب “بُعد النظر” الذي اكتسبه فؤاد بطرس في اوضاع عائلية ومنذ الخامسة عشرة من عمره وتتطلب “عدم التوقف عند حدود الظاهر”. والسياسة نقيض العنف: “اذا انجرفت السلطة الى العنف لمعالجة الاحداث فلا بد ان ينعكس ذلك على صدقيتها، اذ لا مفر لها اذ ذاك من اعتماد الكذب والدوران سعياً لاخفاء تجاوزاتها”.

    قال فؤاد بطرس للرئيس رفيق الحريري عندما طلب اليه القبول بالترشح للانتخابات النيابية على لائحته سنة 1996: “المشكلة ان سقف السياسة في لبنان غير عال وانا اعاني من ألم في ظهري يمنعني من الانحناء والتعايش مع هذا السقف…”. ويذكر فؤاد بطرس اسباب عدم قبوله وهي غير مرتبطة بشخصية الرئيس رفيق الحريري وحرصًا منه على الوفاء.

    السلّم بالطول ام بالعرض؟

    ليس من المفارقة ان اول عمل مهني لفؤاد بطرس سنة 1936 لتأمين معيشته ومتابعة دراسته الجامعية كان في “دائرة الموازين والمكاييل وقمع الغش” في الدائرة الجديدة التابعة للمفوضية الفرنسية ووزارة الاقتصاد. وهل نعرف ان اينشتاين عمل اولاً في الثامنة عشرة من عمره في دائرة تسجيل براءات الاختراع في برن في سويسرا حيث كان يقتضي عمله استقبال المُبدعين وتسجيل اختراعاتهم وكتابة تقرير حول استعمالات هذه الاختراعات وفوائدها!

    هكذا بدأ عمله وظل كذلك ولاكثر من نصف قرن اميناً لكل المعايير. مقالته في “لسان الحال” في 19 ايلول 1960 انتفاضة على ذهنية “المعليش” في ادارة الشأن العام والمال العام وقضايا الناس. اي مجموعة سياسية نحن اللبنانيين؟ ما يخلق مجموعة سياسة خضوع الاعضاء لمنظومة حقوقية تُجسدّها الدولة.

    خلافًا لمن يحمل السلّم بالطول او بالعرض، حسب تبدّل الظروف والاوضاع والمصالح الخاصة، اختار فؤاد بطرس ان يحمل السلم حسب الاصول مهما تبدّلت المواقع. يقول: “في سياق استعراض الظروف والتطورات والتوقعات طرح علي (فؤاد شهاب) السؤال الآتي: هل تعرف سابقة كان على سياسي لبناني ان يختار بين مصلحته الخاصة ومصلحة البلد فآثر مصلحة البلد على مصلحته الخاصة؟ ترددت قليلاً وأجبته بأني لا اذكر سابقة من هذا القبيل. فصمت وهز رأسه. وحيال دقة الظروف والتوقعات السوداء نصحني عندما ودعني بأن أحمل السلم بالطول لا بالعرض قاصدًا الحياة واشكالاتها… واني لا أزال أتأرجح بين الطول والعرض حتى اليوم…”.

    تحولت غالباً التسوية compromis في لبنان التي تخضع لقواعد حقوقية وهي “اكبر اختراع للفكر البشري “حسب جورج سيمل Georges Simmel الى مساومة compromission على الاساسيات. وابتدعت الذهنية الانتهازية في السنوات الاخيرة شعار على “مسافة واحدة من الجميع”، تبريراً وتجميلاً لطغيان الرأي الرائج، في حين ان المبادئ الجوهرية الناظمة للمجتمع تعلو على التحزبات والمواقف والاصطفافات. يقول كانت Kant: “ليكن لك الشجاعة باستعمال فكرك انت”. الذين على “مسافة واحدة من الجميع” اما هم غير مواطنين وغير مهتمين بالشأن العام او هم ينتظرون التقلّبات كي “يتموضعوا” مع الرابح ويستفيدوا من حيادية مصلحية.

    المصلحة العامة هي خلاص لبنان! اذا ادركنا طبعًا كل مضامينها وابعادها وممارساتها اليومية، في الشارع والحي والخدمات العامة والسياسات العامة.

    ***

    فؤاد بطرس، بواقعيته الحالمة والثابتة، وارادته الصلبة التي لا تعرف الاستسلام، وبوصلته ومعاييره الحقوقية الضامنة للحريات والاستقرار والسلم الاهلي، هو المعبّر عن “المفهوم الواحد السليم للبنان والاستقلال والسيادة والوفاق والحكومة والدولة والوطن وكل ما يتفرع عنها”، والتي تنبع من “الاولوية للمواطنية”، حسب تعابيره.

    كان والد فؤاد بطرس يقول لابنه الذي يجلب اليه دفتر علاماته المدرسية وهو الاول في الصف: “كان بإمكانك ان تأتي بأفضل”! ماذا نقول لفؤاد بطرس؟ اتيت بالافضل: الاصالة الميثاقية والمصلحة العامة المشتركة الجامعة.

    أنطوان مسرة
    جريدة النهار
    31.07.2011

    Leave a Reply