• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ما زال الاعتدال ضرورياً

    هناك أنظمة عربية يختلف كل منها عن الآخر وباعتبارات مختلفة تبدأ من طبيعة النظام والسلطة الحاكمة الى اختلافات غير قليلة في الأداء والممارسة والمواقف من القضايا الكبرى العالمية والعربية، هذه الأنظمة تندرج في نظر الإدارات الغربية عموماً تحت عنوان الاعتدال.. وهناك قوى فكرية وسياسية واجتماعية ودينية عربية، لا تتطابق رؤيتها للواقع وخطابها وطريقة عملها تماماً، ولكنها تصف نفسها ويصفها الآخرون بالاعتدال. وهذا لا يعني أن هذه القوى هي تفريعات أو امتدادات لتلك الأنظمة، وإن كانت قوى الاعتدال تختلف عن قوى التطرّف في تعاطيها مع أنظمة الاعتدال العربي، فإن هذا الإختلاف ينبع من ترتيب كل من الطرفين لسلم أولوياته، فقوى الاعتدال مثلاً لا ترى ضرورة أو فائدة أو مصلحة في إعطاء الأولوية لمعارضة أنظمة الاعتدال والعمل على إسقاطها، خاصة وأن التجارب المتعددة في الانقلابات العربية قد انتهت الى مزيد من الكوارث والإنكشافات الفظيعة، ومن هنا فإن قوى الاعتدال المستقلة ترجح أطروحة الإصلاح من داخل هذه الأنظمة لا من خارجها، وتعلم أن الأمر صعب ويحتاج الى صبر ودأب وحكمة وروية ومراكمة قد تكون بطيئة ولكنها ضرورية وناجعة في المحصلة.. وهذه القوى لا تمانع في التصديق بأن هذه الأنظمة قد مالت وإن جزئياً وبشكل متردد الى الاعتدال بعدما جعلتها قوى التطرف في رأس قائمة أولوياتها وشرعت بالعمل على إسقاطها بالعنف أو الإرهاب والتخريب المباشر وغير المباشر في حين جعلت قوى التطرف تلك، قضية فلسطين أم المصائب والمصاعب العربية، وراء ظهرها، وعندما بدا لها أن دخلت في مسار فضائحي لهذه الجهة، أدخلت فلسطين بطريقة ملتوية وضارة في خطابها الجهادي المراوغ، على العكس من قوى متطرفة أخرى، أكثر دراية بالسياسة ودربة على العمل والتزاماً بتوجهات إقليمية تحسن الالتفاف والمناورة واختيار الشعارات، أعلنت أن فلسطين هي قضية القضايا، من دون أن يكون ذلك قادراً على إخفاء الحيز الذي تلتقي فيه مع القوى المتطرفة الفجة، وهو السعي لإسقاط أنظمة الاعتدال ولأهداف مختلفة الى حد التناقض، والخلاصة ان هناك قوى متطرفة تتذرع بفلسطين ولكن بترتيبات مختلفة متناغمة مع حساسيات دينية وإثنية وإقليمية مختلفة.

    إن قوى الاعتدال التي وصفناها، عانت وما تزال وسوف تبقى تعاني من أن موقفها المتوازن والمسؤول من أنظمة الاعتدال لا يكفي في تصنيفها صديقة لها، وهي، أي قوى الاعتدال لم تكن ولا مرة على استعداد للإنتهازية والتبعية والخيار الثنائي بين العداوة والعمالة، وموقفها المتوازن ذاك ليس مرهوناً برضا الأنظمة أو غضبها ورغبتها بالاستلحاق، ما كان له أكبر الأثر وأسوأ الأثر في إنتاج التطرف ونموه السرطاني.

    هذا في حين أن قوى التطرف لم تستستغ ولن تستسيغ هذه الوسطية أو النسبية أو الاعتدال أو النزوع الشديد والدائم الى التسوية باعتبارها حقاًَ وحقيقة وفي كل شيء وكل شأن وكل أزمة أو صراع، وهذا أمر طبيعي لأن الواقفين على طرفين متقابلين يعتقدون أن الوسط هو تطرف لأنهم يقيسون المواقع بالبعد عنهم والقرب منهم، لا بالقرب من الحقيقة والواقع.

    هذه الأنظمة الموصوفة بالاعتدال، من دون اعتراض من قبلنا على هذا الوصف، تحملت كثيراً من التهم والمظالم بسبب موقفها المحسوب وغير المندفع مع حركة حماس مع حرصها عليها وصولاً الى الاجتياح البشع لقطاع غزة، وأصرت على توازنها بدرجة من الشجاعة هذه المرة مما جعلها من دون أن تكون شريكة أو راضية بما حدث، مرشحة لأن تستعيد اعتبارها ودورها في ترميم الوضع الفلسطيني وحماية ما تبقى من أهل غزة وعماراتها.. ولعله قريب من تلك المضايقات والإهانات التي تعرضت لها هذه الأنظمة من بداية الأزمة وحتى الآن، ذلك الضيق والتضييق والمضايقة التي عانتها قوى الاعتدال المستقلة، بحيث تجرأ كثيرون على نفي الاعتدال والمعتدلين، في حين أن كثيرين من ذيول التطرف وأبواقها إعتبروا ان الاعتدال يساوي الخيانة أو يزيد عليها لأنه يتسلح بمنهجية فكرية متقنة وخبيثة وربما استند الى تاريخ نضالي ليتغطى به ويمارس كبره وعمالته غير المباشرة أو المباشرة، وذيليته لتلك الأنظمة عينها، والتي ربما كانت تحترم المعتدلين من خارجها، ولكنها لا تحبهم، وإن خاطبتهم فإن عيونها تبقى معلقة بعيون المتطرفين وآذانها موصولة بألسنتهم منتظرة لمواعيدهم.

    المهم بل الأهم أن يتنبه المعتدلون الى انهم قد اختاروا طريقاً صحيحاً ولكنه صعب وحاشد بالأشواك والمخاطر، ولو كان الواقع العربي واقعاً صحيحاً وصحياً لما كان يلح عليهم بأن يتصدوا ويعملوا ويصبروا.. لقد اختاروا طريقهم حتى لا تبقى الساحة مفتوحة أمام التطرف.. ولا بد أن يحافظوا على يقينهم بأن التطرف مهما كانت قوته، فهي قوة مستعارة والى زوال.. وان المستقبل القريب ينتظر الاعتدال، فما على أهله لكي ينجزوا وظيفتهم الحضارية، إلا أن يتماسكوا ويتحولوا من قوى مشتتة الى قوة متماسكة وفاعلة وواثقة من دورها وضرورته للمستقبل العربي.

    السيد هاني فحص
    جريدة المستقبل
    13.01.2009

    Leave a Reply