• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الممانعون عن بُعد لا يتحسّسون مصاب غزّة

    يُصلى الاعتدال العربيّ بنارين، نارُ الغلوّ والتطرّف التي تؤجّجها مرجعيّة عليا من خارج العالم العربيّ (وتتمتّع باحتلال جزء من الأرض العربيّة هي الأخرى)، ونارُ الافتراء الإسرائيليّ أي الدسّ الذي يتطابق أحياناً مع وجهة النظر الممانعة فيدّعي بأن المعتدلين انهزاميّون من دون قيد أو شرط أمام إسرائيل، لكنّه يعود ويبثّ حيناً آخر بأن الاعتدال قناع آخر لنفس الغلوّ والتطرّف.

    نار الغلوّ والتطرّف كما نار العدوان والافتراء تنكران على الاعتدال العربيّ حقّه في الوجود. وإذا صحّ أن أهل العدوان في إسرائيل يعيشون لحظة صراعية وجودية اليوم، وكذلك أهل الغلوّ والتطرّف، فكذلك حال الاعتدال العربيّ، هو يعيش لحظة ولادته الحقيقيّة.

    فرغم مسارعة قوى الغلوّ والتطرّف، ومنذ اللحظة الأولى للعدوان الإسرائيلي، للحجر على تضحيات أبناء القطاع، وحجز انتصار إلهيّ آخر باسمهم، فإن الأوراق المستجمعة في رصيد الاعتدال العربيّ اليوم أقوى وأنفع من تلك التي كانت في حوذته إبان حرب تمّوز 2006، والمهم أن يدرك أهل الاعتدال ذلك، ويطلقوا الحرّية للعقل السياسيّ الذي رأسماله اليوم هو طرح سؤال “كيف السبيل الأسرع إلى إيقاف المجازر؟” في مواجهة العقل الممانع الذي يطرح سؤال “كيف السبيل إلى جعل كثرة المجازر توقف العدوان؟”.

    وبديهيّ أنّ السؤالين مختلفان نوعيّاً بحيث أن الإجابة المنتظرة على كل واحد منهما ستجيء بالضرورة مختلفة عن الأخرى.

    فالسؤال الممانع “كيف السبيل إلى جعل كثرة المجازر توقف العدوان” هو سؤال تخترقه التناقضات من كل جانب. طارح هذا السؤال يعتبر أن المعتدي ليس إسرائيل فحسب، بل والغرب كلّه، وبالتواطؤ مع النظام الرسميّ العربيّ. الأمر يوحي إذن بوجهة نظر “جذريّة”. لكن ليس ثمّة شيء منها. فهذا الذي يتّهم كل العالم بالعدوان، والذي يعتبر أن كثافة المجازر هي التي سوف توقف العدوان، إنّما يعوّل على “ضمير العدوّ”، وعلى ضمير المتحالفين مع العدوّ وفقاً لقناعاته أو تحليلاته أو تخميناته. مدهش هذا الأمر في عقل الممانعة. كلّ ما تبتغيه هو استثارة الحس الإنسانويّ، في الوقت نفسه الذي تجري السخرية على كل مقاربة تعطي الأولوية للنظر إلى المأساة الإنسانيّة في قطاع غزّة وليس إلى الملحمة البطوليّة.

    ويتفرّع عن ذلك شأن آخر. فمن عادة الممانعين مثلاً السخرية والتندّر على كلّ اتهام لهم بـ”معاداة السامية”، ولا شكّ أن إسرائيل ما زالت تستخدم دعائيّاً هذه الورقة، وما زال لهذا الاستخدام شأوه في المجتمعات السياسيّة الغربيّة. لكن وجه المفارقة أنّ الممانعين لا يعوّلون على تفلّت الغرب من هذه الدعاية، ومن هذا التوظيف لتلك التهمة في غير سياقها. المشكلة المشكلة هي أنّ الممانعين ما زالوا يعوّلون على استفاقة المشاعر “المعادية للسامية” أو الكارهة لليهود في المجتمعات الغربيّة.

    إنّه في أقل تقدير عقل “لا يحسبها صح”، عقل يضع هدفاً مستحيلاً (تدمير إسرائيل) ويستنجد بوسائل مستحيل المصادقة عليها من المجتمع الدوليّ، لكنها تظلّ قاصرة إلى أبعد مدى بالنسبة إلى تحقيق الهدف المنشود. ولكن ما بين الهدف المستحيل والوسائل القاصرة وغير المجازة دولياً تجد أن مطالبه البرنامجية تتواضع إلى حدّ ملفت: مزارع شبعا ومعبر رفح. لكن ماذا يحدث باسم هذه المطالب المتواضعة برنامجياً، إنّما المستندة إلى هدف مستحيل ووسائل قاصرة لكن مرفوضة من المجتمع الدوليّ؟ بإسم هذه المطالب يعزّز الميل الموجود في كلّ حركات المقاومة عبر التاريخ الحديث، وهو ميل للاستقالة من مشروع الدولة، سواء الدولة المفترض إعادة إرسائها وبسط سيادتها، كما في لبنان، أو في الدولة المفترض إقامتها من لا شيء تقريباً، كما في حال فلسطين.

    لقد وجد هذا الميل إلى “المقاومة الدائمة” في كلّ المقاومات عبر التاريخ الحديث. المقاومات التي لم تتمكّن من لجمه حين التحرير، ومن تجاوز نفسها، إنّما انساقت وراء ذهنية الحرب الأهليّة (النموذج اليونانيّ)، أو وراء هدر طاقات شعبها ومقدراته في عقد أو عقدين، وتأتي بعد ذلك الحرب الأهلية (النموذج الجزائري). حتى في فرنسا أو في إيطاليا بعيد الحرب العالمية الثانية، كان يمكن للمقاومات أن تؤسس لحروب أهلية لو لم يجرِ تدارك الأمر، ولو لم تتخذ المقاومات قراراً استراتيجياً بأن تعدل عن صيغتها تلك.

    فالمقاومة إن لم تتحوّل إلى مقاومة سابقة بعد التحرير فإنّها ستجد نفسها مجبرة إلى البحث عن “إعادة تحرير” لما سبق أن حرّرته.

    هذا ما جرى تحديداً مع “حماس”. هذه الحركة لعبت دوراً أساسيّاً في تحرير قطاع غزّة، لكنها لم تنتبه إلى مغزى اغتيال أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي في سياق إنفاذ الانسحاب الأحاديّ الإسرائيليّ.

    كان الشيخ أحمد ياسين واعياً منذ البدء إلى ضرورة تفادي الاقتتال بين الأخوة، وإلى وجوب أن ينال قطاع غزّة قسطاً من هدنة قد تمتدّ لثلاثين عاماً بحسبه إن هو استطاع تحرير نفسه، بل إن وضعية الهدنة هي الأفضل كي يعين القطاع الضفّة على استلهام تجربته والسعي إلى تحرير نفسها.

    وكان الشيخ أحمد ياسين واعياً قبل كل ذلك إلى موجبات الحرص على وجوب عدم انضواء الحركة ضمن “محور إقليميّ” بعينه.

    فهل ثمّة اليوم، وخصوصاً في حماس التي تواجه آلة الحرب الإسرائيلية في غزّة من بمستطاعه التعويض عن هذا الغياب الفادح في القيادة التاريخية منذ اغتيال الشيخ ياسين، هذا الغياب الذي أبدل السؤال الوجيه “كيف السبيل إلى إيقاف المجازر بأسرع وقت” بسؤال الممانعين عن بعد: “كيف السبيل إلى جعل كثرة المجازر توقف العدوان؟”.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    13.01.2009

    Leave a Reply