• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الجمرة التي تحرق في أبعد من مكانها

    من بين اشهر امثالنا الشعبية السالفة، المثل القائل “الجمرة لا تحرق في غير مكانها”. كان هذا المثل يقال أيام العزاء، على لسان المصابين بفقدان شخص قريب وغال جدا، وكرد على المعزين الذين كانوا يطلبون الصبر وقبول مشيئة الله. فيرد اهل المصاب، “الجمرة لا تحرق في غير مكانها”. بمعنى ان المشاكل والمصاعب والأمراض والآلام مرهونة بأمكنتها. ولا يعرف الالم الا من يكابده.

    يقوم هذا المثل، كما الكثير من الامثال الشعبية المعروفة، على الملاحظة والتجربة، كأهم عنصرين محددين للرأي والحكمة. وقد تثبتت الشعوب من صحتها بالتجربة وتكرارها أيضا… ولا سيما في القضايا الشبيهة والمتموضعة في مكان وزمان محدودين ومحددين.

    الا ان مثل هذه الحكم، ما كانت لتخرق الا في الظروف الاستثنائية، في الحروب والكوارث الطبيعية.

    ففي حالة الحرب يكثر الجمر وتزداد الحرائق، ويصبح للموت معنى آخر… الاستشهاد. وتأتي الدعوات لمحاربة فكرة الموت، بالمزيد من الموت… وتنقلب الدعوات من التضامن مع المحروق الى الدعوة الى المزيد من احراق الآخر (العدو)، ولإفنائه.

    يرتبط مفهوم النار بالحروب ارتباطا وثيقا، لهذا يقال اثناء القتل، “اطلاق النيران”، ووقف الحرب تعني “وقف اطلاق النار”، كما أن القتل بالخطأ أثناء الحرب يقال عنه “نيران صديقة”… حتى الانتصار في الحروب، ما عاد يعني سوى القدرة على الاستمرار في اطلاق النار!

    يقول البعض ان الحروب والموت، جزء من دورة الحياة. ولطالما قدمت الحروب خدمات كثيرة إلى الطبيعة، فخففت عنها من تكاثر النوع الانساني!

    ولكن ما انتفاع النوع (الانساني) من تلك العلوم والاديان، والاخلاقيات عامة، اذا لم تنجح في تأمين بديل اقل عنفا واقل تدميرا، لتهذيب وتحجيم الأعداد والزيادات؟ وما انتفاع النوع من كل العلوم والاخلاقيات اذا لم تستطع ان تنظم شؤون الحياة وحل النزاعات والعقد التاريخية، وحسن ادارة وتوزيع موارد الكوكب؟

    باتت “الصورة” عن مآسي الحروب سهلة الانتقال أيضا من مكان لآخر عبر الفضائيات، وقد يشعر اي انسان بلهيب تلك الجمرات من اعمال قتل وتشوهات… صحيح “ان الجمرة لا تحرق الا في مكانها”، اي في مكان الحدث، الا ان لهيبها، يمكن ان يلهب الكثير من المشاعر، ويتسبب في المزيد من النيران والحروب، في غير مكان، عاجلا ام آجلا.

    في الحروب ايضا، يمكن للجمرة ان تحرق في ابعد من مكانها، ويمكن للنيران ان تمتد وتنتقل من مكان الى آخر. هذا ما اثبتته التجارب الماضية، وهذا ما يفترض ان يحصل فعلا في اية حرب مندلعة الآن، اذا صحت الاخبار عن تحالفات ومحاور اقليمية ودولية.

    اما مع الكوارث الطبيعية، فلا يعود هناك من معايير ولا من قوانين “إنسانية” لتفسيرها، لذلك سميت تلك الزلازل والهزات الارضية والفيضانات والعواصف … بالكوارث، التي لا تتقيد بمكان وقد تشمل مساحات واسعة من الكوكب الصغير نسبيا، لا بل قد تهز اسس المكان (الارض) نفسه. فعندها يمكن تشبيه تلك الكوارث، بالجمرة المتدحرجة، والتي تحرق اي شيء في طريقها، كالسيول والفيضانات والنيران واهتزازات الارض… الخ

    بعيدا عن الكوارث “الطبيعية” إذا، لم يحصل خرق حقيقي لمثل الجمرة، الا مع المشاكل البيئية العالمية الحديثة نسبيا.

    فجمرة صياد تحت شجرة، يمكن ان تحرق غابة بكليتها. وانبعاثات محركات السيارات في بلد نام او في طور النمو، يمكن ان تساهم في تغيير مناخ مجمل كوكب الارض. وكذلك الأمر مع الأمراض والأوبئة الحديثة كالسارز وجنون البقر وانفلونزا الطيور… التي بات يمكن أن تنتقل في الجو، في الطائرات من بلد الى آخر، بشكل عابر للحدود والامكنة.

    ناهيك عن السباق النووي واستعمالاته المختلفة، التي يمكن ان توظف كأسلحة متقدمة لتكبير حجم نيران الحروب الى ابعد حد وابعد مدى.

    انها جمرات القرن الواحد والعشرين المتدحرجة، التي باتت تستطيع ان تحرق كل شيء وأي شيء، وأي نوع… اذا لم نخرج بأفكار جديدة وعلوم جديدة وأخلاقيات جديدة … تخرجنا من هذه الدوامة الحارقة.

    فأية أفكار، أية فلسفة بيئية جديدة يمكنها ان تسرق النيران من أفواه البنادق والمدافع، وتعيد تحويلها إلى طاقة مفيدة، وتوزيعها على مواقد الفقراء وافران الخبازين والفخاريين والحدادين… وإلى مشاحر الحطابين؟

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    13.01.2009

    Leave a Reply