• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    …معضلة المطلق

    دائمة ومألوفة تلك القصّة مع أدبيّات ولسانيّات وسياسات الحزب القائد والرائد، ولا شيء يوحي بأي خاتمة سعيدة لفصولها.

    مرّة تلو أخرى وخطاب تلو خطاب وبيان تلو بيان، وعلك مريض يُسمّى تمويهاً مقالاً في مصحّة تُسمى تمويهاً صحيفة. أو هرطقة تُسمى تمويهاً مقابلة في محطة تران تُسمى تمويها محطة تلفزيونية. وغير ذلك الكثير الكثير من تفاصيل مهينة للعقل والذاكرة واللغة والفصاحة والأدب والثقافة والشغل السياسي.. كلها في الإجمال تدلّ وتؤشّر إلى سياق وحداني ذاتي، لا يرى في الدنيا إلا صورته، ولا يسمع إلا صوته، ولا ينصاع إلاّ لمنطقه الناقص، ولا يقبل إلاّ بأحكامه، ولا يحكم إلا بما يقبله!

    .. مرّت في التاريخ الوطني الحديث حالات سياسية حزبية نافرة في صلافة بيانها وحدّة خطابها وقطعية توجهاتها، وإقامتها على يقين ثابت بأنّها على حق في مواجهة آخرين يقيمون على شر! لكن، رغم كل شيء، بقي منطق النسبية موجوداً عند ساعة الحساب: ولا طرف مهما اعتدّ بـ”حقّه” افترض لحظة انّ ذلك الحق مطلق وناف لـ”حقّ” الآخر! ولا مرّة بعد ذلك، افترض أنّ مشروعه ممكن ومفتوح في فضاء لبناني مستحيل ومغلق، حيث التعدّدية الطائفية والمذهبية تصدّ الطموحات الأحادية وتغلق الباب في وجه التفرّد والاستئثار والاحتكار!

    ولا مرّة سُجِّل ذلك الشطط في تاريخ لبنان. كما لم يدّع طرف “عاقل” قدرة على فرض مشروعه الصافي والتام والمنجز.. مَنْ جرّب ذلك، قرّر واعياً أن يجنّ، وأعطى المنطق إجازة مفتوحة، فدفع هو، ودفع لبنان، ودفع اللبنانيون الأثمان الغالية. وتاهت الجمهورية في ليل لم تخرج منه إلا بوجه جديد لكنه مليء بالندوب والخيطان!

    تلك “النسبية” كانت تعني شيئاً واحداً أكيداً ومُحققاً ومُجرباً، وهو الوعي التام من قِبَل أصحاب المشاريع الطموحة بأنّ “حقهم” مسوّر بالجغرافية والديموغرافية قبل السياسة والعسكر والنار والبارود. حقٌ مُطلق لكنه مُغلق في حدود دائرته. خارج تلك الدائرة يصبح نسبياً في مقابل حقوق الآخرين. أما الإذعان لذلك والذهاب إلى تسوية تنتج من حقّين دولة واحدة، وإن كانت ملتبسة. وإما الاستمرار في حرب مفتوحة ومدمّرة!

    .. بين عدم القدرة على الاستمرار بالحرب، وعدم الرغبة بتسوية صعّبتها مرارات الدم والافتراق والاختلاف، أنتج الافتراض الكئيب منطقاً مقلوباً: كلٌ في مكانه ومنطقته. انتعشت الأفكار التقسيمية والتفتيتية والكانتونية وذهبت زجليات التعايش إلى جهنم الحمراء.. بعض تلك الأفكار كان سافراً، وبعضها كان مستتراً، لكنها كلها في الإجمال، رضخت في نهاية المطاف لقانون الجبال التي لا تمزّقها الإبر، وعادت مثخنة إلى تلك النسبية التي تنفي المطلق وتقرّب التسوية!

    أكثر من تجربة انخرط فيها مراهقون، حالمون، موتورون، متطرفون، أحاديون، قطعيون، من كل الطوائف والمذاهب، قسّمتهم الانتماءات والاختلافات ووحّدتهم النهايات. أعطونا في الختام الكثير من المقابر والذكريات السود، وإلى جانبها مَدَدٌ يُعتدّ به من الأحكام التي لا تُنقض!

    .. غير أننا اليوم، أمام حالة “حق” استثنائية لا تُطاق. حيث الفريق الممانع، فريق الحزب القائد والرائد يفترض شيئاً آخر مختلفاً عمّا سلف. آتٍ من قراءة خاصة. ومنطلق من بُعدين خطيرين: بُعدٌ دينيّ يقينيّ لا يُجادَل، وبُعد سياسي يتّصل بالنزاع مع إسرائيل. وهذا بدوره صعب أن يُجادَل (الآن) في ظلّ حكومة مجانين يفترضون أنّ العالم عصفورية مغلقة وهم الأطباء الوحيدون فيها.

    في ذلك الافتراض تكمن الخطورة: كل ما نقوله ونفعله ونؤديه ونمارسه في الشارع والشرعية نابع من ذلك “الحق المطلق”. وكل الآخرين، الأغيار، أشرار بالمطلق والجملة. في منطقهم وسياساتهم وأدبياتهم ومحكمتهم ونيّاتهم وسفرياتهم وبيوتهم!.. معضلة تامّة لا تحتاج إلاّ إلى مُهرها بتوقيع عزرائيل كي تنفتح أبواب الجحيم على وسعها! ثم بعد ذلك، يأتي مَنْ يدعو إلى حوار. كيف ذلك بين أخيار وأشرار؟! يا الله!

    علي نون
    جريدة المستقبل
    21.07.2011

    Leave a Reply