• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الحياديون” الذين يحوّلون لبنان من ساحة ديناميكية إلى مكان للنُعاس”

    ثمة مواقف لبنانية، صريحة وشبه صريحة، تمتنع عن “اتخاذ موقف” من الثورة السورية الجارية الآن. هي ليست مع النظام ولا ضده، ولا مع المتظاهرين أو ضدهم، كما تعلن. تأنف الـ”مع” و”الضد”، وتضعهما في سلّة واحدة مع بقية ألفاظ مهملة. فـ”الموقف”، خصوصا الموقف من الثورة، ينبئ بحسبهم عن إنعدام الموضوعية: تلك الملَكَة التي ابتلى بها المغشوشون، المستعجلون، الشغوفون… أصحاب الموقف الـ”مع” أو الـ”ضد”.

    مع أن “الحيادية” التي يدعون لها بلسان واثق، هي جديدة عليهم؛ إذ لم ينشأوا في بيئة تعرف التقاليد الحيادية، أو المراكمات الحيادية، أوالتنظيرات الحيادية. بل جلّهم كان، قبل ان تهبط عليه نعمة “الحيادية”، من ذوي استدامة الصراعات، أو شياطين بكم، ساكتين عن فظائعه… ولا مرة كان “الحياد”، الحياد الفعلي نقصد، من بنات جذورهم أو تجربتهم.

    ثم فجأة، وبعدما رطنوا للثورة المصرية، صاروا من الناصحين بالـ”حياد” تجاه الثورة السورية.

    حجتهم؟

    ولا أبسط: نحن في لبنان، البلد الضعيف الصغير، لا نستطيع تحمّل تبعات الموقف المؤيد للتمرد السوري. فالموقف قد يهزّ استقرارنا، قد يزعزع بنياننا، قد يضرّ باقتصادنا… وقد يخلّ بالتوازن الطائفي القائم بيننا؛ فماذا لو انتصر المعارضون السنيون ضد النظام العلوي؟ أي اهتزاز سوف يحصل نتيجة انتصار السنة على العلويين…؟

    تلك هي حجتَي دعاة “الحياد”، اذا استثنيا منها تلك الحجة المغردة بمفردها، والقائلة بوجوب وقوفنا مع الرئيس، لأن الشعب الذي يطالب بالديموقراطية، ليس مهيئا لها الآن…

    من هاتين الحجتين، تفهم ان الموقف الحيادي المطلوب هو إزاء الثورة، لا إزاء النظام. كان يمكن ان يضيفوا، لكيلا يخونهم ذكاؤهم، مساوئ تأييد النظام مثلا، طالما انهم حياديون معلنون. لماذ بدتْ كفّتهم الحيادية راجحة فقط لغير صالح المتمرّدين؟ كأنها حيادية غير عادلة؟ أو مختلّة الحياد؟

    ربما لأن تأييد النظام استُبطن، وصار من البديهيات، من الشؤون الأبدية، والأبديات لا تدخل في الميزان؛ هي فوقه وفوق كل الاعتبارات…

    المهم ان غياب النظام عن الكفّة الأخرى من الميزان يحول هذا “الحياد” الى عداء سرّي للثورة، أين منه العداء الصريح لها!

    لكن الحجتين لا تستقيمان. الاولى، حجة الضعف والخوف على الاستقرار، هي غريبة، طارئة على سياقهم: فما الذي جرى حتى تحول لبنان بطرفة جفن، من فينيق ينبعث من دمار الحروب، صاحب الاكتاف العريضة القادرة على المحاربة عن العرب اجمعين، الآخذ على عاتقه، وعلى ابنائه وارواحهم كل تبعات “مقاومته للعدو”… يتحول فجأة الى الصفة النقيض، ويصير مثل ذاك الفأر الخائف، طالب السترة، المرتعد من نسمات بشر، يُفترض انهم “أشقاء”، يطالبون بحرية وكرامة مسلوبتين منذ عقود.

    الحجة الثانية تنطوي على عادة لبنانية في التفكير؛ اذ تفترض بداهة ان الثورة السورية هذه، هي تمرد “الغالبية السنية” على الاقلية العلوية. أي انها تطيِّف الثورة السورية، كما اعتاد اللبنانيون ان يطيّفوا كل شيء. ودعامة هذه الحجة هي “معلومات” عن شعار رفعته قلّة من المتظاهرين كان له القسط الوافر من الذيوع على يد اجهزة النظام: “المسيحيون كذا… والعلويون كذا….”. فيما تسقط عن الحجة الشعارات الأخرى، وكلها وطنية، التي عمّت المدن السورية، وتجرف في طريقها ممارسات السلطة التي غذّت الطائفية خلف ستار برّاق من ممانعة واستقرار ومؤامرات الخارج.

    وفي هذه الحجة ايضاً خديعة للعقل، تكرَّست بموجبها مقاربة طائفية للثورة السورية، ويتم ترويجها بصفتها المحرّك الجوهري للثورة. ثم بعد ذلك تحولها الى بديهة أخرى، لا تحتاج الى تدقيق او معلومات: فتكون بداية النقاش “كيف يكون وضع لبنان لو غلبت الأكثرية السنية؟”، بدل ان يكون كيف يكون وضع لبنان لو انتصرت المعارضة السورية التي لم تكف عن رفع شعارات المواطنة والحرية والديموقراطية والتعدد، وعن ضخّها بالمعاني…

    ذلك ان صفة “الطائفية” لهذه المعارضة ليست سوى نُهَير، عنصر هامشي، متفرع من نهر كبير عريض شامل، سوري وعربي، قوامه عدم الرضوخ من الآن فصاعدا لإرادة قمع وفساد تحسب نفسها أبدية.

    الخطير في الحيادية هذه انها تساهم في حصر التضامن مع الثوار السوريين بأيادي التنظيمات السلفية؛ وهو التضامن الذي يشدّد على الطابع المذهبي للثورة، وينفي عنها صفتها المواطنية.

    أليس غريبا عن الثورة ذاك الاحتكار؟ أليس غريبا عنها أن تكون جمعية “هيئة علماء الصحوة الاسلامية”، الطرابلسية السلفية، هي المبادرة الى التظاهر تأييدا للشعب السوري، كل يوم جمعة؟ (وتكون جمعتها الاخيرة حاملة لشعار “جمعة حق الجار”). أو ان يكون النائب اللبناني الاخواني (“الجماعة الاسلامية”) هو الوحيد من بين نواب المجلس الذي عبّر عن تأييده للشعب السوري، خلال جلسته الاخيرة المخصصة لمناقشة البيان الوزاري؟ (وتكون الهمروجة المضحكة والمسلية بينه وبين نائب آخر مؤيد للنظام السوري). أو ان يفتي “الداعية الاسلامية”، السلفي عمر بكري، المتهم بالارتباط بالـ”قاعدة”، فيقول انه لا يوافق “على القمع في سوريا والممارسات التعسفية ضد الشعب السوري الأعزل” وذلك استنادا منه الى “مواقف شرعية اسلامية مبدئية لا تتغيّر ولا تتبدّل”.

    هذا الاحتكار السلفي الديناميكي لدعم الشعب السوري، ولو بالتسميات والمعاني، يصبّ في النُهَير المذهبي، الذي يملك ابواق تحريض فضائية رائجة؛ مثل قناة “صفا”، ونجمها، والمشرف عليها الشيخ عدنان بن محمد العرعور. وفضيلة الشيخ، لا شيء يحثه على الدعوة الى اسقاط النظام السوري القائم الا انتماء حكامه الى “الروافض” (الزرقاوي منبعثا من جديد!). فيما يعتبر المراقبون هذا الشيخ بأنه “أفضل معارض للنظام السوري وأكثر من يخدمه”.

    هكذا يكون المطلوب من اللبنانيين ان “يستروا” أحوالهم ويكونوا حياديين، بعد جولاتهم الشمشونية مع الاسرائيليين، ونيابة عن العرب أجمعين. وإزاء ماذا؟ إزاء ثورة، شبيهة بتلك التي خاضوا غمارها عام 1975 ولم يتقنوا الا التقاتل فيها، خلال عقد ونصف من الزمن، ومن دون اسقاط أي صنم من اصنام الطائفية التي أشعلتهم؛ ثورة تتوق الى ما يحل اشكاليتهم التاريخية، من مواطنة وحكم قانون، ليس على هذا المدى القريب المنظور، حيث لا تسود غير حسابات الدكانين؛ بل عبر عملية طويلة، كما هي حال العمليات العربية الراهنة، حتى تلك التي انتصرت ثوراتها.

    من هم الداعون الى “الحياد” اللبناني، بالصيغة المشار اليها آنفاً؟

    انهم اولا الديبلوماسيون و”المسؤولون” وزعماء أهليون ودينيون، اصحاب اللغة الغارقة في حسابات، ليست كلها صحيحة؛ وإن ارتدت لبوس “التعقّل” و”الميزان”. والذين يِزِنون كلامهم ومواقفهم على قياس التعليمات التي تمليها مصالح دولهم وشؤونها الخارجية، أو ما أريد لهم ان يعتقدوا انها مصلحتهم كمجموعات أهلية أو دينية.

    وهم ثانيا السينيكيون، الذين يصفون انفسهم، من غير وجه حق، بالـ”براغماتيين”؛ هؤلاء ينتظرون من “ينتصر”، ولا يبدو لهم الآن ان المعارضة سوف تكون من بينهم. لذلك يقتصر “حيادهم” على الموقف من المعارضة السورية، لا النظام. واذا دخلنا قليلا في مخيلتهم، فهل يتصورون انتصار هذا الأخير إلا على برك الدماء والدموع؟ هل يرفعون ساعتها يد الرابح عاليا، معلنين عن انتهاء المعركة لصالحه؟

    وهم أخيراً الأوراق السرية للنظام، أوراق “الجوكر”، الذين يصلحون في الملّمات، وكفيما اتجهت رياح الأحوال. هم عادة في الموقع الثاني من الفعل، لكنهم جيوش من المؤيدين شبه السريين للنظام، الذين انحنوا مؤخرا امام العاصفة العاتية، وصاروا يتكلمون عن حوار وحقوق انسان، من دون ان تُخدش حياديتهم.

    وهؤلاء الثلاثة ليسوا معروفين بصفاء الكلمة ولا بنقاء النوايا؛ ليسوا من اللاعبين الاساسيين، ولكن “الحيادية” التي يدعون لها تدغدغ عواطف اللبنانيين، وتطال بعض من نخبهم المرموقة.

    ليس المطلوب طبعا ارغام كل هذا الجيش “الحيادي” على تبنّي مواقف هو غير قادر عليها، لسبب او لآخر تختص بتكوينه. المطلوب فقط إبطال حجته، كي لا يتحول لبنان بين ليلة وضحاها، من ساحة ديناميكية، الى خير مكان للنعاس… بالرغم من كل ترسانات السلاح.

    دلال البزري
    جريدة المستقبل
    17.07.2011

    Leave a Reply