• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    “الهيمنة بالتسلّل” ينبغي ألاّ تطمئن “حزب الله”

    ليست المرّة الأولى في تاريخ هذا البلد الذي تحاول فيه قوة متغلّبة داخل فئتها، أن تُغَلّب فئتها على جميع الفئات الأخرى، بل لعلّها تكون المرّة الأخيرة، ما دامت الكأس دارت يكاد يكون على الجميع، وما دام تجرّع المرّ من هذه الكأس قد تناوب عليه يكاد يكون الجميع أيضاً.

    وبطبيعة الحال، إنّ مشروع التغلّب الفئويّ الحاكم اليوم يشترك في سمات عدة منه مع المشاريع السابقة عليه، فهو يسير على منوالها لجهة التزيين لنفسه بأنّ تغلّبه أتى من بعد طول مظلوميّة، أو أنّه أتى بالاضطرار، أو أنّه انعكاس للحيويّة الزائدة في البيئة التي يتحرّك ضمنها مقابل ركود أو غفلة أو كساد الحيويّات الفئوية الأخرى. كذلك يشترك المشروع الحاليّ مع سابقيه في اقتران الغلبة الفئوية بالزعامة الكاريزمية اللازمة.

    وإذا كانت المشاريع الفئوية الهيمنية السابقة اختارت التسويغ لمشروعيّتها بالقدرة على الارتباط بالتمدّن والتحديث ومحاكاة روح العصر، فإنّ المشروع الفئويّ الهيمنيّ الحاليّ يتفرّد باعتناقه لأيديولوجيا شمولية مناوئة في الصميم للديموقراطية البرلمانية ولمبدأي تداول السلطة والفصل بين السلطات، بل هي أيديولوجيا غيبية أسطوريّة إلى أبعد حد، ومع ذلك فإنّ هذا المشروع يظلّ يباهي كما المشاريع السابقة عليه بقدرته على اقتناص بعض عناوين التمدين ووجوهه، متباهياً بنموذجه في إعادة الإعمار على طريقة “جهاد البناء”، لا بل إنّ موضة أخذت به في السنوات الأخيرة، لإكثار الحديث عن “الإنجازات العلمية للشباب في المقاومة”، أي سلسلة من “براءات الاختراع” الذاتية توزّعت بين “طائرات حزب الله” وفتوحات في عالم المعلوماتية وداتا الاتصالات. هذا، وقد استبق المشروع الفئويّ الهيمنيّ الحاليّ صدور القرار الاتهاميّ للمحكمة الدولية بعرض نتف من هذه الإنجازات العلمية، والاتكاء عليها بقصد تكذيب القرار الاتهاميّ وأسانيده العلمية. فمن هذه الناحية بالمستطاع القول إنّ المشروع الهيمنيّ الحالي ذهب أبعد بكثير من المشاريع السابقة عليه، خصوصاً وأنّ “الإنجازات العلمية” لشبابه هي بالدرجة الأولى “تعويض رمزيّ” عن الواقعة الأساسية، وهي أنّ حزب السلاح عندنا يقاتل بسلاح مستورد عن وكيل أوّل عن وكيل ثانٍ عن أصيل.

    المفارقة تتلخّص إذن بالتالي: كل المشاريع الفئوية الهيمنية السابقة، ما دامت مشاريع طائفية، كانت تتضمّن بعداً عقائدياً دينياً معيّناً يظهر حيناً ويستتر حيناً آخر، أما المشروع الهيمنيّ الحاليّ فيتبع عضوياً لنظام الملالي الثيوقراطي. وكل المشاريع الفئوية الهيمنية السابقة، كانت تباهي بقدرتها على وصل البلد بالعصر التكنولوجيّ العلميّ، إلا أنّ أيّاً من المشاريع السابقة لم ينسب الى نفسه فتوحات في ميادين “العلوم والتكنولوجيا”. الخلاصة من هذه المفارقة: إنّ المشروع الحالي يناسب على أقل تقدير بلداً أكبر من لبنان، من حيث المساحة وعدد السكان.

    بيد أنّ انعدام المناسبة هذه بين حجم المشروع وحجم لبنان إنّما يأخذها أنصار هذا المشروع على أنّها لهم لا عليهم، وهم يستدلّون بالديموغرافيا على ذلك.

    فمن بين المشاريع السابقة كان المشروع الهيمنيّ التاريخيّ المارونيّ هو الأهمّ، خصوصاً وأنّه المشروع التأسيسيّ للكيان. إلا أنّ الطبعة الأخيرة من هذا المشروع الماروني منذ أواخر الخمسينات وحتى الثمانينات برزت كطبعة معاكِسة لواقعة تراجع الوزن الديموغرافي للمسيحيين على الصعيد اللبناني، والانفجار الديموغرافي الإسلاميّ سواء على الصعيد الوطنيّ، أم على الصعيد العالميّ.

    ومن هذه الناحية كان “المشروع الماروني” مصاباً بـ”الذعر الديموغرافي”، وبلغ به الذعر درجة أفقده فيها القدرة على بلورة “سياسة ديموغرافية”، سكّانية وإسكانية. أمّا المشروع الهيمنيّ الحاليّ فإنّه ينطلق من “طفرة ديموغرافية” كبيرة، لكنه مع ذلك يرفقها بعناصر “سياسة ديموغرافية” واعية، ومنهجية إلى حدّ كبير.

    المفارقة تُصاغ هنا على الشكل التالي: “المشروع الماروني” أراد تعطيل مفاعيل “قانون العدد” بالاعتماد حصراً على “قانون التعدّد”، لكنّه لم يستطع الالتزام مطوّلاً بما يقتضيه قانون التعدّد من ثقافة تعدّدية ليبرالية، بل إنّه حين أطلق النار على هذه الثقافة أطلق النار على نفسه. أمّا “المشروع الشيعي” بالشكل الذي يقوده “حزب الله” فهو يواجه “قانون التعدّد” بالاعتماد على “قانون العدد”، لكن من دون أن يحوز “العدد الكافي” الذي يجيز حسم الأمور بهذا القانون.

    وكمخرج من هذه المفارقة يربط هذا المشروع “قانون العدد” كما يفهمه بقانون العنف الخارج على سيادة حكم القانون، وبأيديولوجيا التعبئة المستمرّة التي لا يمكنها التحريض على عدوّ خارجيّ إلا إذا ما تمثّلته على صيغة وكيل داخليّ. إنّه ثالوث الديموغرافيا والعنف والأيديولوجيا الغيبية. المشروع الفئويّ الشموليّ الحالي يعتقد بأنّه ثالوث لا يتفكّك، وبناء عليه يعتقد بأن هيمنته مديدة.

    لكن هذه الهيمنة ليست فقط تصادمية أيديولوجياً وقانونياً مع المجتمع الدوليّ، إنّها أيضاً تصادمية مع الموجة الحالية من التوسّع الديموقراطيّ باتجاه الشرق، وهي من موقعها هذا أمكن لها أن تقبض على المؤسسات الدستوريّة اللبنانية بالتسلّل، في لحظة إقليميّة محتدمة، إلا أنّ الواقع الإقليميّ نفسه ليس من النوع الذي يجعل استقالة ميقاتي أو استدارة جنبلاط المعكوسة أو تمايز برّي أموراً مستحيلة.

    غاية القول إنّ المشروع الهيمنيّ الحالي يستند في بنيته إلى ثلاثية الديموغرافيا والأيديولوجيا والعنف، لكنه لم يستطع السيطرة على البلاد بها، وإنّما بالتسلّل. وفي حالة المشاريع الهيمنية السابقة كان التسلّل، كما في “نموذج 1982” هو الأداة التاريخية اللاواعية للتعجيل في سقوط المشروع.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    13.07.2011

    Leave a Reply