• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العقول الأسيرة

    في مرحلة واحدة خسر الانتخابات النيابية السادة: تقي الدين الصلح، غسان تويني، فؤاد بطرس، مانويل يونس وجان عزيز. للانقلابات اشكال عديدة، اسوأها الذي ترتكبه العامة في ظل الاقتراع الحر. فقد كان سقوط تلك المجموعة من الرجال، في مناطق مختلفة ومتباعدة من لبنان، دليلا على ان رفض ما يمثلونه داء عام، وهم كانوا يرمزون الى المستويات العالية التي بلغها اللبنانيون في العلم والقانون والفكر.

    دفعة واحدة ابعدوا عن الندوة النيابية. اذا كان من الصعب ان نعرف ماذا يريد اللبنانيون، فقد كان من السهل ان نعرف ماذا لا يريدون: لا يريدون كل من يثقل عليهم بالتوجه صوب دولة القانون، او من يسعى الى توطيد دعائم الجمهورية القائمة في الرمل. لذلك اضطهد اللبنانيون، في توافق طوعي تلقائي، فؤاد شهاب وريمون اده، اللذين تناقضا في كل شيء، إلا النزاهة والقانون. كان حظ فؤاد شهاب المنفى في الداخل، وحظ ريمون

    اده المنفى في جناح من غرفة ودار صغيرين، في شارع بيار برومييه دو سيربي.

    يكرم اصدقاء الرئيس الياس الهراوي في دارته غدا الاستاذ فؤاد بطرس “تحية لحضوره السياسي النبيل في تاريخ لبنان الحديث”. ولا يمكن إلا ان نسترجع كيف اختير هذا الرجل وزيرا للعدل اول مرة. لقد كان فؤاد شهاب ينتقي معاونيه من الذين رفضوا تلبية طلباته وهو قائد للجيش، لا من الذين عبدوه وزوروا له. وكان يختار خلصاءه ومرشحيه من الذين لا يملكون، لا من الذين يشترون مقاعدهم وحقائبهم. في عهده، عرف لبنان وزيرا للاعلام يدعى جورج نقاش.

    أسقط اللبنانيون جميع الذين يصعب ابتذالهم. لم يطيقوا المستويات والمقاييس المجسدة في تلك الكفايات والاخلاقيات. واطلقوا بذلك سلسلة من الانهيارات التي لا تزال تنحدر بالدولة والوطن، بحيث لم يتبق للعري التام سوى ورقة تين يابسة.

    ألم يحن الوقت لأن نطرح المسألة الحقيقية كما هي: المشكلة في الذين يختارون، لا في من يختارون. واننا شعب بلا اي شجاعة ادبية على الاطلاق، وبلا اي قيم، وبلا اي وفاء. امضى فؤاد بطرس ستة اعوام الى جانب الياس سركيس وهو يخاف شيئا واحدا: ارتخاء العصب الاخلاقي، وانقطاع الوتر الوطني. نادرا ما اجتمع ثنائي من معدن واحد ومعيار اخلاقي ووطني واحد، كما اجتمع في الياس سركيس وفؤاد بطرس. اهميتهما الكبرى ليست في دراسة القانون وخبرة السياسات، بل في تقديس القانون والولاء للوطن والتواضع الى الناس، سواء استحقوا أم جحدوا، كما هي طبائع الشعوب ونكران الجماهير، وخبث الهمجية العامة.

    كان ذلك عصر الضمير والحكمة. عصر الرجال الشجعان الذين يخافون فقط حماقة الجماهير وتجار الهيكل. وكان في قلوبهم حذر شديد من ضعف النفس اللبنانية، وفجواتها الاخلاقية، وتشمعها الوطني. لذلك كانوا يحاولون الاستدارة على التجمعات والنزعات، وخصوصا في انزلاقها نحو المهاوي الخارجية. يعبّر فؤاد بطرس عن ذلك صراحة في مذكراته، التي اباح لها وحدها بكل ما عاناه خلال تعقيدات التفكك الوطني والمواجهة المسلحة. وكان اكثر ما يؤلمه ان فريقا كبيرا من الناس لم يكن يؤمن ولا يؤتمن على مصلحة لبنان وحماية الدولة.

    كنا نبدو ذات زمن اننا بلد مغتبط ومغبوط. لسنا اليوم اكثر من حالة متشابهة. حالة اخرى من حالات العرب المحالين على القضاء الدولي. شكر عمر البشير باكستان لأنها سمحت له بالطيران في اجوائها للوصول الى الصين. ولا يجد معمر القذافي مكانا يذهب اليه. وفيما كنا في الماضي بلدا آمنا يتمنى الناس مرقد عنزة فيه، صار القانون تهديدا بالحرب، كما صار امرا مألوفا ان يكون رئيس حكومة سابق في منفى امني غير معلن، يرحب بالعدالة من بعد، فيما يصفق المنفيون السابقون لمنفاه، داعين ان يكون أبدياً.

    لا ابديات في السياسة، بل تحولات ابدية. نحن البلد الذي وقع اتفاق القاهرة كما وقع 17 ايار كما محا التوقيعين. الاول يجرده من سيادته والثاني من روحه. ونحن البلد الذي وقع اتفاق الطائف وكأنه لم يوقع. ونحن من ذهب الى الدوحة من اجل اتفاق آخر حول التوزيعات الانتخابية في حي اللجا وشارع الغلغول وكمب شرشبوك. هل كان الاخطل الصغير يقصد بلدا او شعبا عندما كتب:

    يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا كعاشق خطّ سطراً في الهوا ومحا

    لا شيء له اهمية. لا توقيع ولا اتفاق ولا عقد ولا عهد. ما هو إلا سطر في الهواء، وكتابة على الحيطان تكتب فوقها غدا اشياء اخرى. كان وليد جنبلاط اكثر درامية، وكعادته اكثر صراحة، عندما عرض الاسبوع الماضي، ودائما باسلوبه، شريطا طويلا من سياسات الخوف في بلد مرتعد ببروق الآخرين. اعتذر عن زمنه وزمن سواه، قائلا إن تاريخنا هو تاريخ سوالف. امراء ومشايخ وبكوات ينفلت من بينهم على غفلة من صراعاتهم، جبران او نعيمة او امين معلوف. لم يأت على ذكر عصر النهضة كي لا يقول إن اللبنانيين صنعوه في الخارج. في مصر وفي باريس وحتى في مالطا وتونس اللتين فرّ اليهما احمد فارس الشدياق من تحجر الاقطاع وفظاظته.

    قال إننا لم نجرؤ على استنكار اغتيال كامل مروة. لم يقل إن قاتله عدنان سلطاني كان يتصدر المنابر الوطنية خطيبا، تصفق له الجماهير، بعد اخراجه من السجن. سمى جنبلاط تلك المرحلة مرحلة “العقل الاسير”، او العقل المكبل. لعل في ذلك رد اعتبار وجدانيا عميقا للصحافة ولعائلة كامل مروة، الذي امضى شبابه يناضل في سبيل فلسطين، ثم اغتيل باسم العروبة.

    لا اذكر مرحلة لم يُدعَ فيها الى اعادة النظر في النظام، او في قانون الانتخاب. ولا يكف الطوباوي حسين الحسيني عن الدعوة الى قانون النسبية. هل يتردد هذا الرجل، الذي نفي الى ذاته، هو وقيمه واخلاقه، في مصارحتنا بأنه يجب اعادة النظر في الناس. وان نسبية أينشتاين نفسها لن تغيّر العادة السيئة في اختيار الممثلين. فؤاد بطرس لم يكن اختيارا شعبيا بل اختاره فؤاد شهاب. ثم فزع الى خلقه وحكمته وضميره الياس سركيس، وتقي الدين الصلح كان اختيار فؤاد شهاب، وليس الناس. فقد كان مهموما بالرد على شارل قرم و”الجبل الملهم” ولم تكن له طاقة على احتمال الشارع البيروتي.

    صحيح ان السياسي يجب ان يمثل رأي الناس، ولكن الصحيح ايضا ان يعرف انه يصعب عليهم الاقتراع لتقي الدين الصلح وجواد بولس وشارل مالك وغسان تويني ونسيب لحود وجان عبيد. يجب ألا نعقّد المسائل كثيرا عليهم. بلا فلسفة.

    كنت من مجموعة تلتقي الى مائدة الرئيس الياس الهراوي مرتين في الاسبوع. نأنس الى أنسه ونستعيد معه “سوالف” لبنان، على رأي وليد بك، وكانت له نظرة الى الرجال والاحداث لا تخطئ، وحدس سياسي وانساني عميق. وكان احيانا يعود من عزاء وهو شديد الحزن، فأسأله إن كان الرجل صديقه، فيقول: “الموت لا يُحزِن. المحزن هو الفقر الذي رأيته”.

    لا اعرف لمن ستقدم السيدة منى الهراوي جائزة الرئيس الراحل السنة المقبلة. ولكن بما لي من “أملية” في هذا البيت أتمنى ان تحجبها عن عاصي ومنصور وفيروز وهدى. لقد خدعونا الخدعة الكبرى. صوروا لنا لبنان لا وجود له إلا في مخيلتهم الجميلة. ورسموا لنا لبنانيين وادعين متسارعين دائما الى المصالحة. وملأوا المسرحيات عربات خيل وبيت ستي وبيت جدي وكحلون وزيّون. خدّرونا نصف قرن. ساعة بيقولوا صغيّر بلدي، ساعة وطني يا جبل الغيم الأزرق. الحمد لله على وثائقيات الاستاذ غسان الرحباني الذي حقق الاكتشاف الرابع بعد كولومبوس وماجلان وفاسكو دا غاما، وهو ان النشيد الوطني اللبناني مسروق، لحنا ونظما، من نشيد “جمهورية الريف”.

    ماذا فعلتَ على ضريح عاصي ومنصور؟

    سمير عطاالله
    جريدة النهار
    06.07.2011

    Leave a Reply