• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ثورات بلا أنبياء

    يأخذ بعضهم على الثورات التي تجتاح الدول العربية، أنها لا تنطلق من نموذج معد مسبقاً، تسعى للوصول إليه عبر التحركات الشعبية التي تهدف إلى الإطاحة بالسلطات القائمة، ما يجعل مستقبل هذه الثورات غامضاً، يُدخل الدول التي تقع فيها في دائرة المجهول. ولأن الثورات لا تحتمل المجهول، يجب معرفة صورة المستقبل قبل البدء بصناعته.

    أغلب الذين يسوقون هذه الانتقادات، إذا لم نقل كلهم، أما يساريون ينتمون إلى الماركسية، أو أنهم ماركسيون سابقون. من المعروف أن الماركسية كنظرية تسعى من خلال مفهومها للثورة لإحلال نمط إنتاج مكان آخر، ولأن التاريخ هو تعاقب لأنماط الإنتاج تجاوزها التاريخ ولم تعد قابلة للحياة، في هذه اللحظة التاريخية يجب أن يحل نمط إنتاج آخر. يعمل ديالكتيك التاريخ وبفعل تطور المجتمعات البشرية وصناعتها لتاريخها على الانتقال إلى نمط إنتاج آخر أرقى. ولأن النظرية الماركسية وليدة أوروبا الحديثة فقد كان تركيزها الأساسي في البحث عن كيف ينتج المجتمع الرأسمالي الظلم الطبقي لصالح طبقات معينة (البرجوازية)، أقلية مجتمعية، على حساب طبقات أخرى (الطبقة العاملة) أغلبية مجتمعية، المنتجة الفعلية، والتي يعيش المجتمع من جهدها وعرقها. ولحل التناقض المجتمعي الذي تنتجه آلية الإنتاج الرأسمالي في المجتمع، يجب بناء نقيض له، وهو المجتمع الاشتراكي الذي يحل العدالة الاشتراكية مكان الظلم البرجوازي، وبالتالي يحل تناقضات المجتمع عبر القوة الاجتماعية ذات المصلحة في الثورة، الطبقة العاملة، التي لا تخسر في الثورة سوى قيودها. وقد فصَلّت الماركسية في وصف المجتمع الاشتراكي وكيفية بناءه، سواء عبر آليات التوزيع في المجتمع الاشتراكي الذي هو مرحلة انتقالية للوصول إلى المجتمع الشيوعي، أو عبر آليات حكم الدولة لتكريس نمط الإنتاج الجديد بالقوة عبر “ديكتاتورية البروليتاريا”.

    طبعاً، لا يمكن اختصار النظرية الماركسية في أسطر، ولكن يمكن القول أن النظرية الماركسية، قد فصَلّت المجتمع الذي تريد الوصول إليه سلفاً وفصَلّت آليات الوصول إليه. فهناك هدف “بناء الاشتراكية” وخارطة طريق للوصل إليه “الثورة وديكتاتورية البروليتاريا” وحامل وأداة التغيير وصاحب المصلحة فيه “الطبقة العاملة / البروليتاريا” عبر الطليعة الثورية. بذلك، حسب الماركسية كل شيء معروف قبل البدء في السير على طريق الثورة عبر أدبيات أنبياءها ماركس أنجلز ومن ثم لينين.

    حتى لا يكون النموذج الماركسي فقط هو المرجعية، يستند نقاد الثورات أيضاً إلى ما حدث في الثورة البرجوازية، التي مثلتها الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر، التي كان لها شعاراتها الواضحة، وخارطة طريقها، التي فصَلّها أنبياؤها وطليعتها، روسو وديدرو والموسوعيون الفرنسيون. ويساق النموذج الفرنسي تجنباً لأي رد يقول أن النموذج الاشتراكي قد انهار في الواقع التاريخي ولم يعد صالحاً.

    أعتقد أن هذا النقد ينطلق أساساً من عدم الثقة عند بعض المثقفين بقدرة البشر على صناعة تاريخهم بأنفسهم، بدون طليعة وصية على الوصفة الجاهزة المعدة مسبقاً، لا شيء يمكن أن يسير إلى الأمام. ولأن هذه الطليعة (بالمفهوم الماركسي) لا دور لها في الثورات الحالية التي تجتاح العالم العربي، فليس أمام من يعتبرون أنفسهم طليعة المجتمعات، سوى رذل التحركات الشعبية لأنها لا تنطلق من نموذج مسبق لنعرف سلفاً إلى أين سيقودنا هذا الحراك المجتمعي. لقد ظهر واضحاً في الأشهر الماضية أن بعض المثقفين يعيشون رعباً حقيقياً من هذه التحركات، لأنهم لا يعرفون انتماء كل فرد في هذه التحركات ولا أي مكونات تتفاعل داخلها، حتى يثقون بها، كأن التاريخ لا يتجسد في الواقع إذا لم يعترفوا به.

    إذا كان من الصحيح أن الثورات العربية لا أنبياء لها، فإنها تشقّ طريقاً ونموذجاً جديداً ومبدعاً في صناعة التاريخ، ورداً على واقعاً ظهر من ظلمته، كأنه تم إعدام وخصي المجتمعات العربية إلى الأبد وكأننا خارج التاريخ العالمي. لقد أبدعت الثورات العربية وبدون فذلكات تاريخها الحديث وهي تصنع مستقبلها اليوم، ليس بدون متاعب وأزمات وارتدادات، فالتاريخ ليس سكة قطار توصل ركابها إلى المحطة النهائية دون انعطافة هنا أو ارتداد هناك. لقد قالت المجتمعات العربية كلمتها، لم يعد مقبولاً العيش بالطريقة السابقة، وبالتالي على الواقع العربي أن يتغير، لن يكون هناك نمط إنتاج جديد، هذا صحيح، لأن هذه الموضة قد انتهت في العالم، ولكن لن يكون هناك استبداد مطلق أيضاً، وأن المواطن العربي يستحق حريته ويستحق التعبير عنها وممارستها في اختيار حاكمه ومستقبله.

    تستند الثورات اليوم الى الإنسان لا الى المفاهيم، وكل ثورة واحتجاج يسعى إلى تحسين شروط حياة الإنسان ويحفظ كرامته، ويجعله يأخذ حريته وحقوقه التي هدرت طوال عقود، هي ثورة بكل معنى الكلمة. إذا كان ليس للثورات العربية نبياً محدداً، فإن كل دعاة الاحتجاج في التاريخ العالمي والعربي هم أنبياء هذه الثورة، وكل المظالم والقهر الذي عرفته الدول العربية في النصف قرن المنصرم من عمر المنطقة العربية هي محرك هذه الثورات، وحقوق البشر وحريتهم ومستقبلهم الأفضل هو هدفهم وخارطة طريقهم. لذلك يمكن القول، أن ما يشهده العالم العربي من ثورات هي ثورات كلاسيكية بسمات عربية إبداعية.

    سمير الزين
    جريدة المستقبل
    04.07.2011

    Leave a Reply