• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ممنوع في زمن الثورة

    قبل عامين وعلى اثر الانتخابات الرئاسية في ايران قام الشعب الإيراني بثورته الخضراء، حمل الشبان والصبايا أحلامهم وخرجوا بتظاهرات سلمية في شوارع طهران، غنوا للحرية وللعدالة والدستور، وقفوا أمام الجنود وقوى مكافحة الشغب (والباسيج والبازركان والبازباشي والحرس الثوري) حاولوا إخبارهم أن تحركهم هو دستوري وغير مرتبط بأجندات ولا بتطورات خارجية، هم فقط يسألون “أين صوتي؟” الذي ضاع في صناديق الاقتراع، ولكن حلم الشباب في ذلك اليوم توقف عند رؤية العسكر للتظاهر، وابتدأ الرصاص.

    هكذا هم الشباب في الألفية الجديدة لا يحبون خسارة جهدهم ولا يستطيعون الخنوع، وكذلك هكذا هي أجهزة القمع، لا تحب التجمعات ولا تحب الألوان ولا يمكنها أن تتحمل اعتصاماً أو تظاهرة للمطالبة بأي حق للناس، وكذلك لا تحب أن يبقى أحد في الكون يذكر كيف قمعت حركات الحرية. صمد الشباب الإيراني لعدة أشهر، ولكن حجم القمع وغزارة الدماء التي سالت وكمية الاعتقالات التي لم تتوقف أجبرت الحركة الخضراء على التراجع، مدماة ومصابة بجرح عميق يحتاج إلى عقود لإعادة ترميم الحفرة التي تركها في الجسد الإيراني.

    في بيروت منع الفيلم الإيراني “الأيام الخضر” (Green Days) للمخرجة الإيرانية هانا مخملباف، الذي كان أحد خمسة أفلام ستعرض ضمن “مهرجان الأفلام الممنوعة” بين يوم أمس والسادس والعشرين من الشهر الحالي. والفيلم الذي كان سيعرض مساء اليوم يتحدث عن التظاهرات الاحتجاجية التي نظمتها المعارضة الإيرانية عقب الانتخابات الرئاسية في إيران العام 2009، شباب إيرانيون تحمسوا للبحث عن أصواتهم التي قالوا إنها اختفت من صناديق الاقتراع، فيما كان من المفترض أن يعرض الفيلم نفسه خلال دورة العام المنصرم من “مهرجان بيروت الدولي للسينما”، لكن عروضه أرجئت يومها بطلب من السلطات اللبنانية بسبب تزامن العروض مع زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لبيروت.

    إذاً، الفيلم لم يمنع فقط لأن الرئيس نجاد زار بيروت قبل نحو عام أو أقل قليلاً، بل الواضح ان الفيلم هو الممنوع بحد ذاته، من دون العودة إلى “القيم” اللبنانية المتعلقة بتقديس الحريات ومنع المنع. فقد رأت مديرة “مهرجان بيروت الدولي للسينما” كوليت نوفل حول منع الفيلم “مؤسف ومعيب حقاً، أعتقد أن ضغوطاً قوية مورست للدفع الى منع الفيلم”.

    إنها بيروت التي يمنع فيها الفيلم الذي تحدث عن انتفاضة الشباب، فهي المدينة التي رفضت كل الظلم الذي ينزل على الناس في العالم، هنا وقف أبناؤها وشبابها دعماً للحريات في تونس ومصر، اعتصامات متنقلة من مقر دولي إلى سفارة إلى مدخل وزارة، لقاءات صامتة في شوارعها دعماً لأطفال سوريا الذين يقتلون بالرصاص والتعذيب، ورفضاً للقتل الذي تتعرض له تظاهرات العالم العربي، يتعرض الشبان اللبنانيون في تظاهراتهم للتهديد والإهانة ويبقون صامدين في وجه آلة التهديد والقمع والتي للمناسبة هي ليست جهازاً رسمياً كما يحصل في بلدان العالم، بل هي بعض عصابات يطلقون التهديد والوعيد كما حصل منذ أيام أمام وزارة الداخلية للذين التقوا رفضاً للموت المجاني في المدن السورية.

    الموت نفسه يتنقل في مدن العالم العربي، في اليمن يقف المعتصمون في ساحات صنعاء من أجل تغيير النظام، تطلق النيران عليهم ويصمدون، فينقسم النظام على نفسه، وتحاول العشيرة والقبيلة أن تسرق من الشباب حريتهم التي دفعوا ثمنها الكثير، تشتعل النيران والحروب بين أبناء القبيلة وهم بالمناسبة أهل الحكومة وأبناؤها والقائمون على ممتلكاتها، يستمر الشبان هناك في تحركهم بساحاتهم كما يستمر الشباب في حمص وحماه ودرعا في تظاهرتهم المتنقلة و”الطيارة”، أما شباب ليبيا فتطحنهم القذائف والصواريخ التي يطلقها معمر القذافي، فيما طائرات “الناتو” لا تطعم حرية ولا تغني عن جوع.

    في فقرة مزاحه على فايسبوك يقول الصحافي اليمني جمال جبران: “جسدي في صنعاء وقلبي في تعز.. ليتني كنت فتاة حلوة من فتياتها الرائعات.. أو حتى حجرة في رصيف ساحة الحرية”.. يكتب هذه الجملة خلال زيارته إلى عدن عاصمة الجنوب الذي كان تقدمياً اشتراكياً وانقلب في لحظة واحدة قبائل متناحرة في ثمانينات القرن الماضي.

    في اليمن يدور جمال بين المدن التي تقتات القات كما تشرب الماء، وتحمل “الكلاشينكوف” كما يحمل قدماء هذا البلد خناجرهم “الجنبيه”، يدور في شوارع صنعاء مؤيداً الثورة الشبابية ومشاركاً فيها، يرفض العشائرية، ويناقش مع صديقه حبقوق على “الفايسبوك” الكثير من القصص التي تجري في عدن، يزور تعز، ومنها يذهب إلى ممر باب المندب حيث تسكن عدن على صفحة من ماء وزلزال قاري يقربها قليلاً من إفريقيا ويبعدها عن صنعاء والوحدة التي انقسموا حولها بالسلاح قبل سنوات طويلة.

    يسأله صديق بيروتي عن إسم زوجة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، والسبب هو معرفة أسماء زوجات رؤساء الدول العربية التي تفجرت بها الانتفاضات، يخبره أنهن أربعة وكل واحدة من عائلة، وإسمهن جميعاً ناصية، والاختلاف هو بالترقيم ناصية 1 وناصية2 وناصية 3، أما الأولى فتظل من دون ترقيم ومن دون صور خلف قناع لا يظهر منها شيء. تدخل صديقته لينا إلى النقاش، فتسأل عن حبقوق الرابع عشر، وتضيع الأسئلة بين انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة إلى اكثر من خمسين مئوية.

    قبل التحرك الشبابي في طهران بأربعة أعوام تحركت بيروت بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، حملت الحلم وأطلقت الربيع من منتصف الشتاء، كان مطراً من دموع، وبعد عامين ونصف على الحراك الطهراني عاد العالم العربي ليقول كلمته عبر شبابه، صار الشباب في بيروت ينتظرون انتصار ثورات العرب، وكذلك الشباب في طهران ينتظرون تبدل الأحوال في بلادنا علهم يستسيغون في حريتنا طعماً لحريتهم.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    23.06.2011

    Leave a Reply