• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن الطائفية والزبائنية

    الطائفية، التطيّف، الذهنية الطائفية، التركيبة الطائفية، الانتماء الطائفي، الولاء للطائفة، إلغاء الطائفية السياسية الغاءً شاملاً، فرادة الصيغة اللبنانية الطائفية.. كل تلك المفردات والمفاهيم تشكّل قوتنا اليومي، سياسياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً، سواء خضنا معارك انتخابات بلدية أو تهيأنا لمعارك انتخابات رئاسية أو برلمانية، أو مارسنا حياتنا المهنية والعملية في مؤسسات الدولة، وحتى في المؤسسات الخاصة..

    حقاً، باتت مسألة الطائفية، لشدة حضورها اليومي في حياتنا، وفي آن معاً، مسألة عادية، سخيفة، قضاء وقدراً، وآفة كبرى، نظاماً يفسد كل محاولة لبناء مجتمع مدني متكامل متضامن يتساوى أفراده في الحقوق والواجبات.

    إن الالتباس الحاصل في مسألة الطائفية، مفهوماً وممارسة، وعياً فردياً وجماعياً، يقودنا إلى تفكيك عناصرها المكونة توضيحاً للمفاهيم ووضوحاً في الرؤية.

    المقاربة الأولى الصحيحة للطائفية، أو للواقع الطائفي، يجب أن تؤدي بنا إلى نزع صفة “التحويلية” عنها (Reductionisme). فالمنحى التحويلي يجعل من الغصن شجرة ومن الشجرة غابة. إنه محمول على أن يحوّل عنصراً واحداً من عناصر الوجود إلى العنصر الوحيد الذي يختزل مسار العناصر الفاعلة. هكذا فعل، على سبيل المثال، سيغموند فرويد في شرح ميكانيزما الوجود الشخصي، مرجعاً اياه إلى الجنس أو “الايروس” (Eros). وهكذا فعل كارل ماركس بتفسير تكوين المجتمع وصيرورته مرتكزاً على عنصر الاقتصاد…

    وبالعودة إلى تحليل ظاهرة الطائفية، (والمثل هنا يتطابق بامتياز، مع الحالة اللبنانية)، فثمة من يبالغ في أهمية موقع الطائفية في تاريخ لبنان، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وبالتالي في حفاظها على الكيان اللبناني بفرادته وخصوصيته، بحيث تصبح هذه علّة وجوده وعنوان رسالته وميزته الأساسية التي لا يستغنى عنها في أي حال من الأحوال.

    في المقابل، يرى بعضهم الآخر الطائفية نقمة لا نعمة، لا بل آفة الآفات، بحيث يصبح التخلص منها حلاً شافياً لكل مشكلات لبنان.

    إن مثل هذه المقاربة، في اتجاهيها، تعزل الطائفية عن أساسها المادي والتاريخي، والآني، وتجعل منها جوهراً قائماً بذاته، يتعالى عن الزمان والمكان، وعن تجسّدات الحياة الفردية والجماعية، وعن سياق حركة الفعل وردّة الفعل. ويصبح هذا الجوهر مطلقاً لا يعرف النسبية ولا قوانين التحوّلات، فضلاً عن أنه يحتوي بذاته الخير كل الخير، أو الشر كل الشر. وبالتالي، فإن الموقف الوحيد من الطائفية المتصورة على هذا الشكل يصبح حتماً إما القبول بها قبولاً مطلقاً، أو الرفض لها رفضاً مطلقاً.

    المقاربة الواقعية والمتبصّرة الثانية للواقع الطائفي هي التي تحدد تحديداً دقيقاً مسألتي “الانتماء” (Appartenance) و”الولاء” (Allegeance) عندما يتعلق الأمر بالطائفية، وبالتالي عدم الخلط ما بين الانتماء والولاء. صحيح أن اللبناني عليه، وفق قوانين الأحوال الشخصية أن ينتمي قسراً إلى طائفة. إلا أن هذا الانتماء يندرج في إطار تعدّد انتماءات الفرد إلى عائلة ومكان ولادة وسكن ومجال دراسي ورفاق عمر وجمعيات طوعية وأحزاب ونقابات وتيارات فكرية واجتماعية ووطن وقومية، إلخ.. وتتدرّج تلك الانتماءات حسب جدول أولويات يختلف باختلاف الحالات والظروف. وقد تكون تلك الانتماءات متناغمة أو متعارضة أو في تنافس بينها. فيعمل الفرد على التوفيق بينها أو ينعزل عن بعضها لمصلحة حزب أو مهنة أو توجهات ايديولوجية.

    أما الولاء فهو أقلّ قسرية من الانتماء ولكنه أدهى، فهو قد يتطابق مع بعض الانتماءات الاجتماعية، أو يتخطاها ليدخل في سياق ارتباط وتبعية وحماية يمكن أن تؤدي إلى “الزبائنية” (Clientelisme).

    الانتماء للطائفة لا يتطابق دائماً مع الولاء لتلك الطائفة، وهناك أمثلة عديدة في الواقع اللبناني (وغير اللبناني) تجعلنا نقول بأن العديد من الناس، على رغم انتمائهم إلى طائفة، ينتقلون في ولاءاتهم من طائفة إلى أخرى ومن زعيم سياسي إلى آخر، ومن حزب إلى آخر دون مراعاة هذه الولاءات مع طائفتهم. كما أن الطوائف الدينية، بزعمائها الدينيين أو مجالسها الملية، لا تتحكم كلياً بولاءات أبنائها. وهناك علاقة ولاء سياسية زبائنية لسياسيين تغلّف نفسها بالطوائف الدينية وبرؤساء هذه الطوائف لتوسيع شبكة زبائنية داخل الطائفة وخارجها في آن واحد شرط أن يكونوا تابعين في سبيل تثبيت مواقع سياسية تكون على حساب الطوائف الدينية أحياناً وربما على حساب المصالح الفعلية لهذه الطوائف ولمصالح الوطن ككل.

    يُحكى كثيراً عن الطائفية والتطرف وعن مساوئها وقلّما يُحكى عن الزبائنية. وهذه آخذة بالانتشار أكثر فأكثر فيما الطائفية تكاد تصبح رهينة للزبائنية. لذلك يجب التطرق إلى الزبائنية السياسية من خلال أسياد وزبائن وشبكة الأسياد والزبائن المتداخلة من كل الطوائف والمذاهب، متحالفين ومتنافسين في آن واحد على المنافع وحماية المستفيدين من تلك المنافع وعلى حساب المصالح العليا للمجتمع والوطن.

    من هنا وجب علينا جميعاً إسقاط هالة الغموض والشمولية عن الظاهرة الطائفية، ورؤية مستوياتها المختلفة، وتفكيكها إلى عناصرها المكوّنة. وهكذا، فإن مسار الإصلاح السياسي للنظام هو المسار الأهم والأشمل والأفعل. أما البقاء في هوس إلغاء الطائفية السياسية دون غيرها، اي إلغاء الطائفية بجميع مستوياتها، فهو هروب إلى الأمام. وفيما نهرب إلى الأمام تتكدّس وراءنا خيبات الأمل والإحباطات وتترسّخ الذهنية الطائفية وتستلبها الزبائنية.

    جيروم شاهين
    جريدة المستقبل
    21.06.2011

    Leave a Reply