• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العرَب في زمن الربيع

    وسط الوَجع، يتركُ العربُ صحراءهم، من غير أن يقفوا دقيقة صمت، بعد أن تأخروا على الفجر، وقد مرّ عليهم أكثر من فجر، وكانوا راقدين، وكانوا نائمين، الى أن أيقظهم الربيع، ولمس عيونهم ليَسيلَ منها الدمع. وقبّل وجوههم ليلفحها نور الشمس، وحرّك عروقهم التي كانت يابسة لتجري في عروقهم دماء الحياة.

    وصحراء العرب ليست من رمال وصخور، وكم من صحراء صارت جنائن، ورمال تحولت حدائق، وصخور ارتفعت أبراجاً تدهش العين وتأسر العقل، إنما الصحراء في الفكر العربي حيث الأرض المحتلة، وفي الارادة العربية حيث الوطن السليب، وفي القلب، قلب العرب الذي كان صامتاً صمت أهل الكهف.

    إنه الزمن الآخر، زمن الربيع، الذي تشعر فيه المرأة العربية، بأنها شجرة حب وليست تمثالاً من رخام، ويعرف فيه الرجل العربي انه مزيج من حضارات لا حقل تجارب، ويفهم فيه الطفل العربي أنه وُلدلا ليكون لاجئاً في أرضه أو زائراً أو ضيفاً، بل هو مستقبل الأمة.

    والأمة الآن على طريق مختلف، لم تسلكه من قبل، وقد شقته الأيدي المضرّجة، وعبّدته الأجساد المُمزقة، ورسمته أحلام الشعوب، التي كانت بالامس قبائل وطوائف وعشائر تسير في الليل هائمة متفكّكة متروكة للقدر.

    واختلف القدر، غيّرته الأوجاع، وبدّلته الصلوات، وحوّل مساره ثوارٌ من نساء ورجال، في الوطن وفي المنفى، هؤلاء صنعوا الثورة، لا بالبنادق والصواريخ والسيوف، بل بالكلمة، وقد رأتها عيوننا، وسمعتها آذاننا، ولمستها أيدينا، كلمة صارت هي الإنسان العربي الجديد، ردّد صداها موج البحر، وأعاد هديرها هواء الخليج، واسمها الحرية.

    إنها الآتية من الضيق الشديد، الطالعة من أعواد المشانق، المولودة من القذائف، الخارجة من غرف الاعتقالات، وازيز الرصاصات، وانفجار السيارات، حيث لنا ألف شهيد وشهيد، أجبرهم الغدر أن يغيبوا، فغابوا كأرواح أو ناموا مثل ملائكة.

    ونام معهم الربيع، وكذلك فعلت الأشجار والسواقي والأزهار، ناموا مثل أطفال، واستمروا يحلمون ويُنشدون ويوزّعون بذور أجسادهم الطرية، في كل حقل وأرض وقلب، فيسقونها من دموعهم، ويحيونها بدمائهم، إلى أن صارت الحبّة سنابل، والسنبلة أشجاراً، والأشجار غابات، تأتيها طيور السماء، لتعلن باسم السماء أن الربيع لا يموت.

    وأبناء الربيع لا يموتون، ولا يخسرون، إنما هم الغالبون. وقد غلبوا الموت، وبوسعهم أن يغلبوا الظلم، ويقتلوا الجهل، ويزيلوا الفُقر… ويواجهوا إسرائيل!

    ومواجهة إسرائيل لا تكون بالعُنف، بل بمزيد من الديموقراطية، ومزيد من الحرية، ومزيد من حقوق الإنسان، كل إنسان، مُسلماً كان أو مسيحياً أو يهودياً أو من أي دين.

    فالمعركة، معركة هذا المواطن العربي هي أن يُثبت انه يستحق ان يسقط لأجله الشهداء، فيكون وفياً لهم محقّقاً حلمهم العتيق بقيام دولة علمانية ديموقراطية حرّة.

    وهذا ليس شرط الشهداء، وهم الذين لاقوا الموت مجاناً من غير خوف، لكنه شرط بقاء الوطن، وهو أيضاً شرط بقاء المواطن، مُحترماً، مُعززاً، مرفوع الشأن، متمتّعاً بحقوق مقدسة لا تُنتزع منه، فتكون إنسانيته هي حقيقته، وكرامته هي هويته، وحريته هي جواز سفره… ولا يُصادَر منه.

    هل يُغنينا الشهداء بدمائهم، أم نحتاج الى ثقافتهم وأحلامهم وأخلاقهم ليتحقّق الربيع؟

    في مهرجان الربيع، وزمن الياسمين، كم هو صحيح ان “ربيع العرب حين يُزهر في بيروت إنما يُعلن أوان الورد في دمشق”.

    وكل ربيع هو سمير، وكل عاصمة هي دمشق.

    ميشال هليل
    جريدة النهار
    19.06.2011

    Leave a Reply