• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    وفي البدء لم يكن القتل
    المقال الأول لعمر حرقوص منذ عملية الاعتداء عليه

    قبل أيام سألني أحد الأصدقاء ان كان كل ما قلته وكتبته يحتمل ما ذقته وما توالى عليّ من ضربات كادت أن…

    السؤال نفسه سمعته يئن كثيراً في داخلي وخصوصاً حينما كان ألمي يصل إلى حدود الجنون. أسئلة أخرى حضرتني في أوقات كان ألمي فيها أقل حضوراً حول الكلام والكتابة والتعبير والحرية والموقف وحق الاختلاف ومجابهة الموقف بموقف واختلاف وجهات النظر.

    ما هي الكلمة؟ أو هل يمكن للكلمة أن تعيّر بميزان ما فيصبح الحرف الأبجدي بحجم قبضة أو “بوط” أو قطعة صلبة تهبط على الرأس محاولة اختراقه؟ أو هل يمكن للكلمة أن تصير وزناً ثقيلاً كحجم عبوة ناسفة؟ هل الكلمة التي ترسم حروفاً وتسجل صوتاً يصبح لها مع الوقت مكيال يحدّد حجمها؟

    كثيرة هي الأسئلة، وكثيرة هي محاولات الاجابة عن الألم الذي يبقى حاضراً طوال الوقت مستأنساً بالوحدة أو باللحظات التي ينتفي فيها الكلام. الأسئلة المترافقة مع كل لحظة يتذكر فيها المرء صورة ما أو صراخاً من كثيرين يحيطون بجسد في منتصف شارع الحمرا.

    حين تكتب نصاً ما، فأنت تعلن موقفاً، تتحمّل مسؤوليته وتناقشه وتعطيه بعض خصوصيتك فيصير جزءاً منك، هذا الجزء الذي يتوقع ردوداً عليه لا تتعدى رفضه أو مناقشته بعقلانية أو حتى القول ان صاحبه غير موضوعي، وهو يقع فعلياً تحت باب القول وليس في مجال الغوص ومحاولات القتل والتهديد والمنع.

    هل الكلمة تقتل؟ هنا يأتي السؤال حول معنى القتل؟، فالكلمة ليست حقداً ولكن الحقد يقتل وللحقد عوامل كثيرة توصف بكلمة، والرصاص أيضاً يقتل والهاتف الخلوي ان استعمل كأداة لكسر الرأس يقتل، والسكين الحاد هو من الأدوات الصلبة، كلها يمكن استعمالها لأمور تمنح السلام وفي أيدٍ تمنح الموت.

    إذاً، لو كان للقاتل أنياب في أصابع يديه على ما قال جهاد بزي في جريدة السفير في وصف حالتنا، هل كان القاتل ترك هذه الأنياب تنهشني في وسط مليء بالناس يقفون كالأشجار وينظرون مشدوهين إلى مجموعة كبيرة من الشبان يشرعون في القتل كأنما الغابة لم يعد فيها مكان للرحمة.

    الكلمة تقتل، نعم تقتل، فكلمة “هذا يهودي” التي تقال بصوت عالٍ في تلك الغابة تقتل أيضاً، كأنما اليهودية لعنة أو ليست بديانة، أو كأنما قولها ليس تحريضاً طائفياً في بلد ممنوع فيه التحريض الطائفي ويحاسب فيه القانون على هذا النوع من التحريض. ويصير من يُتهم بهذا الاسم معرَضا لاظهار عضلات العنصرية، وصفعات الأيدي والقبضات المتمسكة بأدوات صلبة، ورشق طويل من الركلات الممزوجة بروائح أقدام من يظنون أن التاريخ ظلمهم ولم يخلقهم آريين شقرا طوالا ذوي عيون زرقاء.

    هل الكلمة تمنح الناس أفكاراً أو حلولاً جميلة تسهم في حياة من يعيشون؟، نعم الكلمة كحالة مشدودة إلى وجهة النظر وليس إلى الموقف، فكامل مروة قال في جريدة الحياة التي أسسها في بيروت كلمته ومشى، فلم تحتمله العنصرية، لم يكن يريد للكلمة أن تكون عنواناً للمواقف الصلبة كقطع حديد بأيد مجهولة، بل أرادها وجهات نظر تناقش الآخر وتتطور مع الوقت.

    وكذلك الأمر هي الكلمة نفسها التي قالها سمير قصير وهو يدرك ان القول باب من أبواب النقاش، فتحول إلى خبر في الجريدة وتناثرت أقواله قطعاً صغيرة في هواء مدينته. الكلمة أيضاً هي مي شدياق ووجهة نظرها التي صارت لدى القاتل عبوة ناسفة وحياة موقوفة لأجل ذكرى من استشهد من رفاق.

    الكلمة تقتل؟، نعم تقتل، أو لنقل بشكل أوضح هي تسبب الموت حين تجتمع مع ظروف الغابة، فيتحول جبران تويني إلى صورة جميلة، وقسم نصرخه كل عام لأنه كلمة جميلة، وكأن الأعوام الثلاثة التي مرّت لم تكن سبباً ليتعلم القاتل ان الموت لا ينهي الفكرة الكلمة الجميلة، بل يرفعها عالياً ويمنح من مات من أجلها صورة الأنبياء.

    الكلمة هي نبش في الديموقراطية وتصحيح معناها، وهي نبش في أعصاب القاتل ليعطي أكثر ما لديه من عنصرية وحقد وكيل من الإشاعات لا تتوقف.

    الكلمة بحد ذاتها لا تقتل، ولا يمكن منعها لأنها كالماء تتسرب بحثاً عن أفق تذهب إليه فتحفر كالنهر في الجبال أو كالموج تصقل الصخور لتصير جميلة كشواطئ بحر بيروت. تتآلف الكلمات لتصير لوحة، بعيداً عن الميزان والقبضة والآلات الحادة.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    11.12.2008

    Leave a Reply