• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن وحوش تعيش بيننا وتدمّر الوحدة الأخلاقية لمجتمعنا اللبناني

    ليس تفصيلاً أن يظهر لبنان الرسميّ شاهداً للزور أمام البشرية جمعاء، وفي عزّ ربيع العرب. لكنّها اليوم، مشيئة “الديبلوماسية الفئوية”، تلك التي لم تغسل بعد عار تحالفها الحيويّ مع لوران غباغبو.

    وإذا قدّر لهذه الديبلوماسية الفئوية أن تنفّذ مأربها هذه المرّة من دون موقف رافض من الحركة الإستقلالية، وفي الحدّ الأدنى المجتمع المدنيّ الإستقلاليّ، فهذا يعني أنّ التشاؤم ينبغي أن يتسيّد كل المواقف حيال مستقبل التركيبة الكيانية اللبنانية.

    لماذا؟ لأنّ التصويت في مجلس الأمن يتناقض مع أحكام الدستور اللبنانيّ حين يناقض الفقرة باء من مقدّمة الدستور. وهذه تربط بين كون لبنان “عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها” وبين كونه “عضواً مؤسساً وعاملاً في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان”. وهذا الإلتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس مجرّد لغو بلا طائل على ما يفترضه الدستور، خصوصاً وأنّ الفقرة توجب حرفياً أن “تجسّد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء”.

    ثمة سند دستوري ميثاقي يقضي إذاً بألا يتدخّل لبنان في حق كل شعب عربيّ في اختيار ما يرتضيه أو خلع ما يبتغيه من أنظمة حكم، إنّما على قاعدة التزام معيار إنسانيّ، هو معيار الإلتزام بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، ومن يلتزم بهكذا إعلان لا يمكنه التغطية على الجرائم ضدّ الإنسانية، وإلا لوجب تعديل الفقرة باء والقول إن لبنان يتحمّس للجرائم ضدّ الإنسانية في حالات معيّنة، هي الحالات التي توجبها المصلحة العليا لقوى الممانعة والمقاومة.

    وإذا ما جرى التعريض بهذه الفقرة من مقدّمة الدستور، فهذا يكشف أيضاً أن القرارات الدولية التي ترعى استعادة استقلال لبنان، وفي مقدّمتها القراران 1559 و1680، لم ينفّذا بعد بالشكل الذي ينبغي.

    مع ذلك، فالمشكلة الكبرى ليست هنا. المشكلة ليست فقط في الديبلوماسية الفئوية التي تطعن في دستورنا، إنّما هي في إيثار قسم من اللبنانيين التصادم مباشرة مع المعايير “الحقوق انسانوية”، للدفاع عن قمع دمويّ بحق شعب شقيق للشعب اللبنانيّ، بل يتنطح البعض للمشاركة الخطابية أو الميدانية في أعمال هذا القمع.

    فإذا كانت مجموعة من اللبنانيين مثلاً تؤيد الإبادة الجماعية لإثنية “التوتسي” على يد إثنية “الهوتو” في راوندا، فهذا يعني ليس فقط موقفاً خاطئاً أو مزاجاً قاسياً، إنّما موقف تفخيخي ومزاج “تسميمي” للوحدة الوطنية اللبنانية، بل لوحدة المجتمع اللبناني الأخلاقية. فالعيش المشترك يصعب مع موقف من هذا القبيل.

    إن تمجيد أي مجموعة لبنانية للقمع الدمويّ ضدّ أي شعب من الشعوب، ليس إلا عنفاً تهديديّاً ترهيبيّاً للجماعات اللبنانية الأخرى، بل للأمة اللبنانية ككل، خصوصاً في ظل معادلات السلاح الفئويّ الغيبيّ. وهذا هو بيت القصيد: إن كان بين اللبنانيين من يمجّد قتل “الهوتو” لـ “التوتسي” فهذا يعني أنّ ثمّة وحوشاً تعيش بيننا، وإذا كانت هناك وحوش تعيش بيننا، فهذا لا يعني فقط تعطيل التزام الدولة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل المسّ بالوحدة الأخلاقية للمجتمع اللبنانيّ.

    وعليه، إنّ عدم قدرة لبنان على التصويت، ولو بلغة الحياد، على مشروع القرار الذي سوف يطرح على مجلس الأمن، إنّما يستوجب أيضاً فقرة تتعلّق بلبنان يمكن إضافتها الى هذا القرار، ويستدلّ من خلالها على أنّ لبنان عضو حالي في مجلس الأمن من دون ان يستوفي شروط استقلالية القرار، ولا وطنية القرار، فقراره مصادر اقليمياً من جهة، وفئوياً من جهة أخرى. لكن على من تقرأ مزاميرك؟ فلئن كانت الوحدة الأخلاقية للمجتمع اللبناني مهدّدة بالإبطال الكامل إن صوّت لبنان بما يناقض أحكام دستوره في مجلس الأمن، فإنّ الوحدة النفسية للبنانيين قد أطلق عليها رئيس المجلس النيابي رصاصة الرحمة يوم الأربعاء الفائت عندما استوقفت مفارقة أنّ ثورة الأرز تعيدنا الى الوراء، في مقابل الربيع العربيّ، لكنه لم يجد للربيع العربيّ من أمثلة عليه، لا في تونس ولا في مصر ولا في اليمن، ولا حتى في ليبيا التي من شأن الثورة فيها أن تكشف مصير الإمام موسى الصدر ورفيقيه، إنّما وجد رئيس المجلس ضالته في الخلط بين الربيع العربيّ، وبين قامعيه الأشد دموية، ليخلص من ذلك إلى أنّ ثورة الأرز تريد إعادتنا إلى الوراء!

    ليس للبنانيّ أمام ذلك إلا أن يستعين بعنوان أحد الأفلام المصرية من عقد السبعينيات… “أين عقلي؟”!

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    13.06.2011

    Leave a Reply