• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    قمار الطوائف على الطاولة السورية

    لماذا يجري التسويق للثورة السورية اليوم من قبل بعض اللبنانيين على انها ثورة تستهدف الاقليات الدينية او المذهبية او القومية؟ ولماذا هذه النزعة التخويفية لدى بعض القوى السياسية من ان الاكثرية في سورية ستعمد الى تصفية هذه الاقليات أو قمعها؟ ولماذا القاء المسؤولية في كل ذلك على المواطنين السوريين؟ الذين ذاقوا الوان الاستبداد والالغاء والتسلط، وحكم الحزب الواحد والعائلة الواحدة، وسطوة النظام الامني على حياتهم اليومية. هل من وقع في مصيدة الاستبداد، باسم العلمانية المستبدة او الزائفة، هو المسؤول عن هذه المخاوف التي تجري صناعتها من قبل السلطة وادواتها؟ ولماذا يبدي هؤلاء مخاوفهم من “الثورة”، علما ان هذا “النظام” بطبيعته العائلية والطائفية وبنزعته الالغائية والامنية هو منتج للمخاوف، ومولد للطائفية ومصادر لحقوق المواطن والجماعات.

    الخوف لدى بعض اللبنانيين ناتج بدرجة اولى، عن ضخ مشبوه له لا يتوقف من قبل فئات ونخب سياسية، نظّرت من دون خجل لحلف الاقليات، وهي كانت تنطلق من حقيقة تقر بها، مفادها ان النظام السوري تحكمه اقلية علوية (لم تقل عربية اوعلمانية او بعثية او حتى عائلية). وهي تمادت ولم تحاسب نفسها على هذا المسار السياسي الذي سلكته، باعتباره مستفزا وينم عن نزعة طائفية ومذهبية، فيما هي اليوم تطلق العنان لمخاوف هي نفسها من صنعها ونظّر لها.

    من المعيب ونحن نشهد كيف تتم عمليات القمع والقتل والاهانة والمصادرة لهذا الشعب، ان نتمترس خلف مقولات الخوف الطائفي والمذهبي، والمؤامرة لا سيما من قبل اولئك الذين غالوا في التنظير للحريات والديمقراطية وارادة الشعوب وحقوق الانسان، او الذين خبروا اجهزة الامن السوري وذاقوا سياطها، واهاناتها، ونزعتها التسلطية والاستكبارية.

    و”المجازر” ليست شأنا غريبا عن سلوك هذا النظام، لا في سورية ولا في لبنان. فهل بقاء هذا النظام الذي اثبت عجزه عن الاصلاح هو الحل الوطني والقومي؟ وهل باتت الحرية، ايا كانت مخاطرها، هي الشر والاستبداد هو الملاذ؟

    غريب امرنا وغريبة ازدواجية المعايير التي ندينها ثم ما نلبث تتلبسنا… اليست مساوئ الحرية افضل بكثير من حسنات الاستبداد؟ لاننا بالحرية قادرون على ان نعالج مساوئها ومساوئنا، اما الاستبداد فلا يتيح لنا غير التصفيق والتزام القطيع ولو كان الى الذبح يسير.

    اما مقولة التحرير وفلسطين فلن يتحققا كما قالت لنا كل الادبيات الوطنية والقومية والانسانية، الا بارادة الشعوب: فهل صار التزام ارادة الشعوب نقيصة اليوم؟ فلسطين لن تتحرر، ولن تنكفىء اسرائيل اذا بقيت الاخيرة رغم كل تعسّفها وعدوانيتها، متقدمة في معاييرها الانسانية على انظمتنا الحاكمة. هل سمع احد برصاص مطاطي في سورية او قنابل دخانية لتفريق المتظاهرين؟ اسرائيل لا يمكن ان تهزم من خلال انظمة تتسلط على شعوبها. اسرائيل لن تهزم في حين هناك لبنانيون وسوريون وفلسطينيون سجنوا في سورية، وتمنّوا لو كانوا سجناء في اسرائيل، لما لاقوه من اهوال العذاب.

    في سورية هناك آلاف اعتقلوا سنوات طويلة من دون ان يحاكموا. لا بل هل يعقل ألا نجد لدى العدو الاسرائيلي الا اسم مفقود او اثنان لبنانيين لا يعرف مصيرهما، فيما في السجون السورية الآلاف من المعتقلين العرب المفقودين، وعشرات الآلاف من السوريين؟

    بعد كل ذلك ثمة من يجد في بقاء هذا النظام واستمراره على هذا الحال نصرا لقضايانا القومية والوطنية، وحماية للاقليات. لا بل ثمة من يعتقد انه يحق له ان يهنأ على مآسي شعب آخر، وان يدّعي أنه في صف الشعوب، وعندما يستحق الامر يبدأ بابتداع الذرائع.

    ما تحاول الثورة السورية إنجازه هو الخروج من قبضة دكتاتورية حديدية تحكم بالنار والسجن. يريد الشعب أن يخلق أجواء يعيش فيها بأمان يحقق فيه المواطنون إنسانيتهم ويعيشوا بحرية وكرامة تتيح لهم تحقيق أحلامهم الشخصية والوطنية، وتمكنهم من الإبداع ومنافسة الأمم الأخرى على التطور. ولهذا لا يمكن أن يكون مطلبهم إلا الحرية والعدل والديمقراطية، وهو ما يجعلهم ينتفضون على نظام الاستبداد وعلى ظلمه وعلى فرض نظرته الأحادية بقبضة من الرعب والخواء.

    ثمة خطأ تاريخي يرتكبه بعض القادة الطائفيين هذه الأيام. فحتّى في أجنداتهم الطائفية، ستخسر أحزابهم وتياراتهم، وربما طوائفهم، الكثير الكثير، حين تنتصر الثورة السورية، وسيدفعون أثمان وقوفهم ضدّ حركة التاريخ وضدّ الشعب، وأثمان التدخل في شؤونه الداخلية بطريقة سلبية، وسيدفّعون محازبيهم أثمان مواقف غير راشدة.

    “صولد وأكبر”، يقول المقامر حين يراهن على كلّ شيء، على شفير خسارة آخر معاقله. “صولد وأكبر” قال بعض اللبنانيين… وسيكون الإفلاس كارثيا.

    علي الأمين
    جريدة صدى البلد
    13.06.2011

    Leave a Reply