• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    سورية: الروايات خرجت من سجونها

    خلال الاسابيع القليلة الماضية، ومع تصاعد الاحتجاجات السورية ضد النظام، والمطالبة بإسقاطه، بدأ العديد من اللبنانيين، والفلسطينيين، فضلا عن بعض المواطنين السوريين الذين نالهم شيء من سطوة النظام السوري واجهزته الامنية، يبوحون بما نالهم من تعسف او استبداد سواء لهم او لعائلاتهم او بعض اقاربهم خلال العقود الماضية والى اليوم. وهذا البوح الذي وجدت فيه شخصيا تحررا لدى هؤلاء من سطوة هذا النظام واجهزته، ما كان ليتم لولا هذا المشهد البطولي للمحتجين السوريين، الذين كسروا بارادتهم ودمائهم حواجز الخوف. لهؤلاء وحدهم الفضل في ذلك، لأن انسحاب نظام الوصاية الامنية والعسكرية من لبنان في العام 2005 لم يحقق هذه المساحة من البوح امام الكثيرين من اللبنانيين وحتى الفلسطينيين.

    اوردت هذا التمهيد لأنني فوجئت قبل ايام بكلام صديق لي، اعرفه منذ سنوات طويلة ونلتقي بشكل دائم وتجمعنا صداقة مستمرة ترسخت مع الايام وتعززت من خلال التوافق في النظرة المشتركة الى العديد من القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية. المفاجأة كانت أنه روى لي اخيرا قصة اعتقال والده من قبل اجهزة الاستخبارات السورية في لبنان، ولم يكن الاعتقال لجناية او عمل امني او ما شابه، بل لانتمائه السياسي… ليست القصة هنا بل في سرده كيف أن المخابرات السورية عندما لم تستطع اعتقال والده عمدت الى ابتزازه من خلال اعتقال زوجته، اي والدة صديقي، من اجل ان يسلم نفسه طوعا. ولا يحتاج السامع ولا القارئ الى كثير من الاستفهام ليدرك ما يمكن ان يفعله هذا السلوك البشع في نفس الوالد والعائلة. فما كان من الوالد الا ان سلم نفسه، ويكفي هذا لتخيل ما قاله البعض عن “التحقيق العنجري” لندرك ما تعرض له الوالد من تعذيب واهانة لم يزل يعاني آثارهما حتى اليوم.

    باح صديقي بهذه القصة التي لم اكن على علم بها، وكان في ظني ان مثل هذه الحادثة المزعجة كان يفترض لمستوى الصداقة التي تربطنا ان يرويها لي منذ سنوات. وكما صدمت بتفاصيلها الدامية، تساءلت بصوت عال امامه: الا تعتقد ان آلاف القصص الدامية التي كتبها هذا النظام واجهزته لم تزل مطوية ولا يجرؤ اصحابها على البوح بها فضلا عن طلب المسامحة او المحاسبة؟ ثم قلت: اعتقد اننا في الايام المقبلة سنشهد خروج الكثير من الروايات الدامية من سجون اصحابها ليتحرروا منها.

    ومع تصاعد الاحتجاجات في سورية، يتساقط منطق القبضة الامنية والاتهامات التي تكال من قبل النظام وحوارييه، بأن ما يجري من احتجاجات “قد انتهى”، او انه “تدخل من قبل جهات عربية او دولية في الشأن السوري”، او “مجموعات متطرفة تستهدف الآمنين ورجال الامن والجيش”. لا يريد النظام او لا يستطيع ان يصدق انه يمكن للشعب ان يعترض ويثور ويطالب بحقوقه رغم هذه القبضة.

    احد الزملاء المتحمسين للرئيس السوري بشار الاسد عاد قبل ايام من سورية، بعدما ذهب متضامنا الى جانب قيامه بمهمة صحافية. وهو أسرّ لي بعد عودته انه فوجئ بحجم الاعتراض على سياسة النظام من دون تمييز. فوجىء بمعارضين كان يفترض انهم مؤيدون للنظام، الى جانب غيرهم من الذين باتوا يرفعون اصواتهم من دون خوف. وجوهر الاعتراض ان هناك مشكلة داخلية يجب معالجتها بجرأة، وأنهم يريدون أن يكفّ النظام عن رمي كرة النار الى الخارج.

    في الدرس السوري الذي لم ينته بعد تديننا الدماء التي تسيل في المدن والقرى، ورغم ذلك لم يزل هناك من يردد كالببغاء مقولة انه “ليس في سورية ما يبرر الثورة على الطغيان”، وان “القتلى هم مجرمون وشذاذ آفاق”، وان “في سورية مشاريع امارات ونزوة امراء”.

    في اطلالته الناطقة والوحيدة على الشعب السوري امام مجلس الشعب منذ بدء الاحتجاجات، لم يستطع الرئيس الاسد اثبات ان “نظام البعث” قادر على الاستجابة او التفاعل مع المطالبات التي يرفعها الشعب.

    أصر على أنّ كل هذه المطالبات هي جزء من برنامجه الاصلاحي… كان يعبر عن عجز او رفض النظام التنازل أمام مطالب المحتجين، في اشارة صريحة الى موت “النظام”، العاجز عن التفاعل مع ارادة الناس، والمصرّ على ان يمنّن شعبه المتأمّر عليه.

    الروايات بدأت تخرج من سجونها. مؤيّدو النظام بدأوا يتردّدون، والمتردّدون بدأوا يحسمون أمرهم ضدّ النظام، والصحافيون والإعلاميون المتضامنون مع “ممانعة” ما بدأوا يروون وبدأ يصعب عليهم إدارة الآذان الطرشاء.

    الروايات بدأت تخرج من سجونها، وحين يبدأ الكلام، يكون الخوف قد انتهى… بل يكون قد آن أوان الحساب… والاعتراف والمسامحة.

    علي الامين
    جريدة صدى البلد
    06.06.2011

    Leave a Reply