• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    من ثورة الارز الى المأزق الوطني

    الأزمة السياسية والوطنية الراهنة، تطرح اسئلة عديدة لعل اهمها: الى متى تستمر؟ وهل من مخرج دستوري ديموقراطي لها؟ والى اي مدى بات الخروج منها مرهوناً بما يحدث في سوريا والمنطقة وعملية السلام؟

    في الوقت الذي تتفتح فيه ازهار ما سمي بالربيع العربي، ينزلق لبنان، يوما بعد يوم، في منحدر سياسي ووطني مجهول القرار. وعندما نتذكر بان المليون لبناني الذين نزلوا الى ساحة الحرية عام 2005، هم الذين افتتحوا انتفاضة الشعوب العربية من اجل الكرامة والحرية، نهلع ونتساءل: ماذا حل بثورة الارز او بالربيع اللبناني، بعد ست سنوات من اطلالته؟ بل ماذا حل بلبنان؟!

    هل تحول الربيع الواعد الى خريف قاتم، ان لم نقل الى شتاء عاصف؟ يكفي استعراض سريع للأحداث التي تعاقبت على الحكم والنزاع السياسي بين الاحزاب، خلال السنوات الخمس الماضية، لكي تنجلي بعض الحقائق التي حولت حلم الاستقلال والسيادة والحرية، شبه كابوس وطني.

    نعم، لقد انسحبت القوات العسكرية السورية من لبنان، تحت تأثير الارادة الشعبية اللبنانية والضغط الدولي. ولكن دمشق لم تسحب يدها من لبنان، بل نجحت، مع ايران، في تكوين معارضة للأكثرية الجديدة، مؤلفة من حلفائها الاستراتيجيين، اي “حزب الله” و”حركة امل”، و”التيار الوطني الحر”، الذي يتزعمه الجنرال ميشال عون (بالرغم من ان القاعدة الشعبية لهذا التيار وهي مسيحية، بعيدة جدا بمشاعرها الوطنية اللبنانية وامانيها وثقافتها، عن القاعدة الشعبية الشيعية الصرف لـ”حزب الله” ولـ”حركة امل”).

    واضح ان خطة “المعارضة الجديدة” كانت منذ البداية، منع الاكثرية الجديدة من الحكم، بشتى الوسائل والاساليب، الديموقراطية البرلمانية منها والاقل ديموقراطية، باعتبارها مستقلة عن الاستراتيجية الايرانية – السورية، ومنفتحة على الغرب ومتكلة على الامم المتحدة في الدفاع عن لبنان. ولقد ساعدها في عرقلة حكم الاكثرية، في البداية، وجود رئيس للجمهورية مدين برئاسته لدمشق، وبالتالي مخاصم للأكثرية النيابية الجديدة. كما ساعدها امتلاك “حزب الله” قوة عسكرية يقال انها تفوق قوى الجيش والامن الحكومية. وجاءت حرب تموز 2006 لكي تعمق الهوة بين الاكثرية الجديدة والمعارضة، دافعة الحياة السياسية اللبنانية في منزلق جديد.

    ان من يستعرض المعارك الكلامية وغير الكلامية الدائرة بين تكتلي 14 آذار و8 آذار، منذ خمس سنوات، لا يسعه سوى التوقف عند بعض المواقع – المحطات، السلبية الخطيرة، ومنها: تعطيل مجلس النواب، عدم اقرار الموازنة السنوية للدولة، استعمال “حزب الله” للسلاح في الداخل لحسم خلاف سياسي، الاعتصام في ساحة رياض الصلح الذي شل الوسط التجاري، استقالة وزراء 8 آذار مرتين من حكومات الوفاق الوطني، وما تبع ذلك من شلل في الحكم. وكان آخرها ممارسة وزراء مستقيلين أعمالهم بل اتخاذهم قرارات مالية وقانونية، دون الرجوع الى مجلس الوزراء، ومحاولة احلال مجلس النواب محل السلطة التنفيذية في اقتراح القوانين، خلافا للدستور وللأعراف الديموقراطية البرلمانية.

    ان تاريخ لبنان الحديث – ولا اي دولة في العالم – لم يشهد وزراء يستقيلون ثم يواصلون عملهم في الحكم، غير سائلين عن رئيس الحكومة او مجلس الوزراء.

    لقد فاز تكتل 14 آذار بالاكثرية في الانتخابات النيابية الاخيرة، ولكنه لم يشكل حكومة مقتصرة على الاحزاب الاعضاء فيه، بل ارادها حكومة اتحاد وطني. ودخلت قوى 8 آذار فيها، لا لتعمل مع الاكثرية على تحقيق الاصلاح والتنمية وانعاش الاقتصاد، بل لتمنع الاكثرية النيابية من الحكم. ونجحت في ذلك، الى حد بعيد. الى ان كانت “الضربة” الكبيرة الاولى، وهي انفصال وليد جنبلاط عن 14 آذار.واعقبتها الضربة الثانية الا وهي استقالة وزراء 8 آذار، التي ادت الى استقالة الحكومة والى تسمية الاكثرية الجديدة، نجيب ميقاتي رئيسا للحكومة.

    كانت قوى 14 آذار في امتناعها عن المشاركة في الحكومة الجديدة، منسجمة مع نفسها ومع الاصول الديموقراطية البرلمانية. برفضها تكرار الدور المعطل الذي كانت تأخذه على 8 آذار. ووجد الرئيس المكلف نفسه اسير الاكثرية النيابية الجديدة التي سمته – وهو ليس منها – وفي الوقت نفسه اسير اجماع طائفته التي وضعت خطا احمر له هو: المحكمة الدولية وسلاح “حزب الله”. وليس بسر ان الدول الغربية الكبرى والمجتمع الدولي، نبهاه الى ان الاستسلام لـ”حزب الله” وقوى 8 آذار، ومن وراءهما، اي جبهة الممانعة السورية – الايرانية، قد يعرض علاقات ومصالح لبنان الدولية للضرر وربما لخطر عدوان اسرائيلي جديد.

    ومما زاد في طين الرئيس المكلف بلة، الاحداث التي جرت في الدول العربية وعلى الاخص في سوريا، والتي من شأنها حمله على التفكير مرتين قبل تأليف حكومة ممانعة او حكومة اتحاد وطني أو حكومة تكنوقراط؟

    لقد بقي السجال بين قوى 14 آذار و8 آذار، ضمن حدود معقولة وان كانت غير مقبولة ديموقراطيا ووطنيا، الى ان اندلع الخلاف حول المحكمة الدولية. وارتفعت نبرة النزاع الى حدود الاتهام المتبادل بالعمالة للخارج والتهديد بالسلاح في الداخل. ولم تكن اتفاقية الدوحة – وهي تعطيل عملي لاتفاق الطائف والدستور وللنظام الديموقراطي البرلماني – الا هدنة او استراحة قصيرة، اذ سريعا ما وصل الحكم امام حائط مسدود، متأرجحاً بين حكومة تصريف الاعمال وحكومة صعبة الولادة.

    متى الخروج من الازمة؟ وكيف؟

    ليست هذه هي المرة الاولى التي يتأخر تأليف الحكومة في لبنان – او في بلدان ديموقراطية عريقة – عدة اشهر (بلجيكا، ايطاليا) ولكن الازمة الحكومية الراهنة، خلافا للمتداول، ليست بسبب عدد الوزراء ونسبة حصص الاحزاب وتوزيع المقاعد، بل انها ازمة نظام عميقة دستورية وطائفية وواقعية، ذات ثلاثة منطلقات:

    1 – دستور (اتفاق الطائف) مختلف على قراءته وصعب تطبيقه وطنيا وطائفيا وديموقراطيا.

    2 – وجود دولة “حزب الله” المسلحة ضمن الدولة اللبنانية.

    3 – التدخل الدولي والاقليمي المباشر وغير المباشر في شؤون الحكم والسياسة الداخلية.

    ان الازمة السياسية والوطنية الراهنة، تطرح اسئلة عديدة، لعل اهمها الثلاثة التالية:

    1 – الى متى تستمر؟ وهل هناك من مخرج دستوري ديموقراطي وطني لبناني منها؟

    2 – الى اي مدى بات الخروج منها مرهونا بمآل ما يحدث في سوريا، ونوعية العلاقات الجديدة بين الدول العربية والولايات المتحدة؟ بل وبين واشنطن وطهران؟ وبتطور عملية السلام في الشرق الاوسط؟

    3 – هل ستؤدي هذه الازمة السياسية – الوطنية الراهنة، ايا كانت مآلاتها ومخارجها، الى اعادة النظر بالدستور وبميثاق الطائف، كما باتت بعض المرجعيات السياسية والدينية تطالب علنا؟

    4 – على مستواها السطحي تبدو الازمة وكأنها صراع على الحكم بين تكتلين سياسيين هما 14 و8 آذار. وعلى مستوى اعمق يكمن صراع طائفي ومذهبي، حول ادارة الحكم عطل مبدأ الفصل بين السلطات وافسد تنفيذ اتفاق الطائف والدستور.

    اما على مستوى اعمق فانها تبدو معركة بين اتجاهين وطنيين سياسيين هما: اتجاه التمسك بالاستقلال والسيادة وحق اللبنانيين في تحديد واختيار مصلحتهم وصداقاتهم الدولية والاقليمية، واتجاه آخر متمسك بالتحالف مع سوريا وايران، ومعارض للسياسة الاميركية في المنطقة، بحجة انها تخدم اسرائيل، وبالمحافظة على سلاح “حزب الله” على حساب سيادة الدولة اللبنانية، وبتقديم الاستراتيجية الايرانية –السورية على اي مصلحة قومية عربية او وطنية لبنانية اخرى.

    من هنا فان مآل ما يجري في سوريا يشكل في نظر الكثيرين المفرق الحاسم لصراع هذين الفريقين. فلئن استمر النظام القائم قابضا على الحكم ومقدما ارتباطه بايران وبالتالي فارضا كلمته على السياسة اللبنانية، فإن لبنان مقبل على مرحلة وطنية وسياسية خطيرة جداً. لا يستبعد فيها عدوان اسرائيلي جديد على لبنان وربما سوريا، ولا قيام اضطرابات طائفية ومذهبية فيه قد تتحول الى حرب اهلية. اما اذا تغيرت الاوضاع في سوريا، بتغيير النظام ام باجراء اصلاحات ديموقراطية حقيقية، فإن من اولى انعكاسات هذا التغيير او الاصلاح ارخاء قبضة دمشق على لبنان، وحل قضية سلاح “حزب الله” ولحلحة النزاعات السياسية اللبنانية، وبالتالي قيام حكومة فاعلة ودولة قادرة في لبنان.

    اما اعادة النظر في اتفاق الطائف وتعديل الدستور، والتي تجددت اثارتها، فغني عن القول انه من الصعب جدا، بل المستحيل، في الظروف المتوترة الراهنة مس اتفاق الطائف، وانه لا بد من اوضاع استثنائية جدا تفرض هذا التعديل فرضا.ولسنا نراها متوفرة اليوم.بل لا بد من ان يسبق التعديل مرحلة وفاق وطني حقيقي كي يحقق التعديل غايته اي كسر الحلقات التي تقيد السلطة التنفيذية وتوضح دور المجلس النيابي ورئيسه. فاعادة النظر في اتفاق الطائف لا تقتصر على توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية (الماروني) ولا على تقليص دور رئيس الحكومة (السني) بل لا بد من اعادة النظر في مدة ولاية رئيس المجلس (الشيعي) وفي المادة المتعلقة بشبه استحالة حله، والزامية استشارة النواب لتعيين رئيس للحكومة.

    كانت الغاية من هذه المواد تعزيز دور رئيس المجلس (الشيعي) في موازاة الرئاستين التنفيذيتين اللتين يتولاهما ماروني وسني. الا انه على الصعيد الدستوري، كان خلطا بين “النظام الديموقراطي البرلماني” و”النظام المجلسي”. ان في الديموقراطيات مبدأ اساسيا الا وهو الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولما كانت الديموقراطية البرلمانية اللبنانية مركزة على الطائفية والمذهبية، فلا بد من نصوص دستورية توازن بين السلطات وتحول دون طغيان سلطة على الاخرى او تمكينها من تعطيل الحكم.

    لسنا نرى في الاجواء الوطنية والطائفية والمذهبية المخيمة، اليوم، على لبنان، اي فسحة لمناقشة مثل هذه التعديلات. لاسيما وان اتفاق الطائف لم ينفذ بكامله، وان قانون الانتخابات الذي يسمح بقيام مجلس تشريعي على اسس جديدة، لم يسن، وغيره من المواد التي قد تساعد على حلحلة المأزق الدستوري – الديموقراطي الراهن. وينطبق ذلك على مشروع الغاء او تجاوز الطائفية، الذي اصبح، هو ايضا، موضوعا طائفيا ومذهبيا، في الاجواء الراهنة.

    متى يخرج لبنان من هذا المأزق السياسي – الوطني؟ وكيف؟ لا شك في ان مآل الاحداث في سوريا له دوره الاكبر في التأثير على مجرى الازمة اللبنانية الحكومية. كذلك العلاقات بين طهران وواشنطن. كذلك الاستراتيجية القومية العربية الجديدة التي سترتسم خطوطها بعد التحولات السياسية المهمة التي حدثت في مصر وغيرها من الدول العربية. ولا ننسى عملية السلام بين العرب واسرائيل. فهل يعني ذلك ان الحكومة اللبنانية الجديدة لن تتألف قبل اشهر عدة او سنوات عدة؟ ام ان هناك مخرجا ثالثا بتأليف حكومة تكنوقراط وشخصيات مستقلة لتصريف الاعمال في انتظار الانفراجات الاقليمية والدولية؟ ثم الا يستحق ذلك كله العودة الى طاولة الحوار الوطني؟

    ام ان لبنان بحاجة الى ربيع وطني جديد؟

    باسم الجسر
    جريدة النهار
    06.06.2011

    Leave a Reply