• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    دفاع عن النفس في مواجهة المحاصصين والمعتدين على الحيّز العام

    تصوير الأزمة الحكومية على أنها ازمة وزير الداخلية يجسد عمق أزمتهم. انه أفضل أسلوب للتمويه على عقم ساسة يجددون نظامهم ولأنفسم بطريقة مبتكرة من التوريث السياسي.

    زياد بارود ليس من حصة أحد، وإن حسبوه على رئيس الجمهورية، ففي لغتهم، ليس لرئيس الجمهورية حصة في الدولة. هكذا إذن يصير مقطوعا من شجرة، لا حسب ولا نسب! ليس هذا سوى التعبير البليغ عن حضيض السياسة في بلادنا. وليعذرني من يقرأ لي إن كررت العبارة الشهيرة التي قالها أحد الصحابة في وصف الحكم الرديء: إنه زمن الرويبضة، أي الزمن الذي يسوس العامة فيه سفهاء العامة.

    باللغة المصرية، هو زمن البلطجية الذي استخدم الجمال والبغال في مصر للدوس على من تظاهر في سبيل الحرية ومن أجل قيام الدولة المدنية، سياسيو لبنان يبتكرون ما يشبه ذلك. يبتكرون ما يعبر عن عجزهم حتى عن إدارة الأزمة، لا عن حلها، يريدون أن يموهوا عاهتهم ويرموا بعبء المسؤولية على عاتق زياد بارود. أليس هذا من أساليب البلطجية (أو التشبيح باللغة اللبنانية)؟

    التشبيح بدأ مع الحرب الأهلية يوم استعرت الحرب بين الثورة والدولة. من معانيه نشر الثقافة المعادية للقانون، أي العودة إلى ما قبل القانون، والسطو على الأملاك العامة والخاصة، وتقويض الدولة ومؤسساتها لحساب الدويلات-المزارع والمربعات الأمنية، حيث لكل مزرعة قانونها واقتصادها وأمنها وسياستها الخارجية، وهو، باختصار، تحويل دولة القانون والمؤسسات إلى دولة محاصصة. هذه من حصتي في الوزارة والنيابة والإدارة، الخ… وتلك من حصتك. اعطني هذه الوزارة وخذ تلك. أنا أسمّي المدير العام وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور. إن هذا من الفجور. والفجور أسلوب يستخدمه الشبيحة للعدوان على المال العام والملك العام والحيز العام الذي هو الدولة.

    سياسيو لبنان العاجزون عن إدارة أزمتهم ينتظرون “الترياق من العراق”، يقفون مكتوفي الأيدي ويترقبون ما يمكن أن يأتيهم من تعليمات أو أوامر من سوريا و إيران و السعودية والغرب، وليس منهم رجل دولة واحد يتجرأ على التنفس من غير إذن خارجي. قد يكون ذلك طبيعيا في ظل العولمة وترابط أطراف الكرة الأرضية بالاتصالات والاقتصاد والجغرافيا السياسية! نعم من الطبيعي أن نرى في العالم، وليس إلى كل منطقة فيه، ما يشبه القرية الكبرى، لكن من غير الطبيعي أن يتباهى سياسيو لبنان بعجزهم. قد يكون من الطبيعي أن يستشيروا مرجعيات لهم في الخارج ويستزلموا لها وينفذوا طلباتها، لكن من غير الطبيعي أن يعمموا قيمهم ويؤسسوا مدرسة للاستزلام في وطننا ويجعلوها واحدة من أسس بناء النظام.

    قد لا يكون زياد بارود “فطحل زمانه” وقد لا يكون أفضل وزير تولى المسؤولية في هذه الوزارة أو في سواها، غير أن تجربته أكدت بما لا يدع مجالا للشك أنه من قلة من المسؤولين الذين كسبوا احترام اللبنانيين، وأكدت أن المسؤول يكسب الاحترام ويحقق النجاح بمقدار ما يحترم القانون والمؤسسات، أي بمقدار ما يحترم المواطن. إذن من الطبيعي أن يحاربوه لأنهم لا يريدون بناء دولة القانون بل دولة المحاصصة والبلطجية والتشبيح، ولا يريدون وجود مواطنين بل رعايا وأتباع ومستزلمين ممن يعيدون ويعلكون كلام أسيادهم، ولا يكتفون بتقاسم المال العام وإدارات الدولة، بل يتوزعون في ما بينهم ويشترون بأبخس الأثمان بطاناتهم من المتزلفين ومساحي الجوخ والانتهازيين والمتسكعين وصغار النفوس، ويستولون على تمثيل طوائفهم، ويقترفون باسمها أبشع الجرائم بحق الوطن، نعني بذلك جريمة الاعتداء على الدولة ومؤسساتها، الجريمة التي طالت بأذاها القضاء والجامعة اللبنانية وهيئات الرقابة وكل القوانين، من قانون الانتخاب وقانون الضرائب… حتى قانون السير.

    لسنا نقصد بأن ندافع عن شخص، بل عن تجربة أجمعت استطلاعات الرأي على نجاحها، ونجاحها نابع من كون الوزير لا ينتمي إلى سلالتهم، وإذا كان من الممكن حسبانه على حصة أحد، فهو خير من مثل الكفاءات الأكاديمية والمهنية وجمعيات المجتمع المدني؛ هي دفاع عن النفس في مواجهة المحاصصين والمعتدين على الحيز العام: إن زياد بارود هو جزء من الحيز العام الذي ننتمي إليه. إنه أحد أشكال التعبير عن رغبتنا في قيام دولة القانون والمؤسسسات والكفاءة.

    لا ندافع عن شخصه، مع أنه يستحق ذلك، ولا عن تفاصيل تجربته، فقد يكون ارتكب أخطاء خلال ممارسته السلطة، أو قبلها، حين كان عضوا في اللجنة الوطنية لصياغة قانون انتخاب (برئاسة فؤاد بطرس)، لكن مآخذ المحاصصين عليه والساكتين على الافتئات عليه لا تتناول أخطاء محتملة أو مؤكدة قد يكون ارتكبها، بل هي تصوب على أحد أهم ميزاته ومكامن قوته، على كونه قادما من خارج نظام المحاصصة المقيت، وهي تريد أن تطرده حتى لا يكرس، من خلال وجوده في السلطة، نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه التمثيل السياسي في الحكومة، ولا التمثيل السياسي في المجلس النيابي: دولة الشبيحة والبلطجية هي النقيض لدولة القانون المدنية، لدولة المواطنة اللاطائفية.

    تصوير الأزمة الحكومية على أنها أزمة وزير الداخلية يجسد عمق أزمتهم. إنه أفضل أسلوب للتمويه على عقم ساسة يجددون نظامهم ويجددون لأنفسهم بطريقة مبتكرة من التوريث السياسي الذي يهدف، في صيغته اللبنانية، إلى الحؤول دون تجديد النخب السياسية في المجلس النيابي أو في مجلس الوزراء أو في الإدارات إلا بالأزلام والمحاسيب والأبواق.

    خيار التوزير من خارج الطاقم السياسي، أي من ممثلي المجتمع المدني والكفاءات الأكاديمية والمهنية، الذي اعتمده رئيس الجمهورية بخجل في حكومة عهده الأولى، هو المقصود بالهجوم على زياد بارود. ذلك لأنهم لا يريدون لهذه التجربة أن تتكرر أو تستمر، يريدون وضع حد لها، بالبلطجة والتشبيح. لكن هذا الخيار يبقى المخرج الوحيد المتاح أمام رئيس الجمهورية والرئيس المكلف للدفاع عن الدستور كآخر مؤسسة لم تنل منها البلطجة، وحتى تبقى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة محصنتين ضد جشعها. الدستور، هذا ما تبقى لنا نحن اللبنانيين الحريصين على إعادة بناء الوطن والدولة، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص، دولة الحريات والديموقراطية. إنه حصننا الأخير في مواجهة تكالب المحاصصين على نهب الدولة وتهشيم القانون وتدمير الوطن.

    محمد علي مقلد
    جريدة النهار
    05.05.2011

    Leave a Reply