• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المستبدّ والمعرفة اكتشافاً

    من منّا لا يذكر صدّام حسين الذي صادر العراق حتّى بات نبوخذ نصّر وحمورابي مجرّد تمهيدين له، وصار النسب الهاشميّ مقدّمةً تنتهي إليه؟

    والحال أنّ الأنظمة المغلقة ما إن تنكسر حتّى تتقدّم مجتمعاتها وتواريخها للدارسين والناظرين إليها مثلما تتقدّم الأراضي المستَكشفة. هكذا نعرف، مثلاً، أنّ ليبيا ليست معمّر القذّافي، ونعرف ذلك على طريقة المكتشفين. بهذا يتحوّل واحدنا إلى كريستوف كولومبوس صغير يعثر على أميركاه على شكل أسماء لبشر وأسماء لأمكنة وتواريخ.

    نعم، ذات مرّة عاش في ليبيا عمر المختار الذي قاتل الإيطاليّين، وحكمها إدريس السنوسي الذي يرقى إلى مؤسّسها، وذات مرّة وُجد فيها وزير اسمه منصور الكيخيا اغتالته استخبارات القذّافي، وفي مدن العالم اليوم تعيش أعداد من الليبيّين المتعلّمين والمثقّفين ورجال الأعمال الذين يضاهون أقرانهم في سائر بلدان المعمورة. وليبيا، فوق هذا، تنطوي على مدن وبلدات وسواحل وصحارى كان تعبير «الجماهيريّة» الأخرق يختصرها ويحجبها.

    ومؤسف أن تكون الحروب فرصة المعرفة، فتتولّى الاشتباكات القاتلة دور الكشّاف والدليل. لكنْ ما العمل حين لا يؤدّي «الاستقرار» المفروض بالاستبداد إلاّ إلى تعميم الصمت وإشاعة التجهيل؟ أولاً تكون المعرفة عبر الحروب، والحال هذه، شكلاً من أشكال عودة المكبوت وانتقامه على نحو مكلف ومؤلم؟.

    لقد بادر الليبيّون، ما إن وجّهوا ضربتهم الأولى إلى نظامهم، إلى رفع علمهم المَلَكيّ، لا لأنّهم إيديولوجيّاً ملكيّون، بل لأنّهم يريدون أن يضربوا مرساتهم في تاريخ فعليّ، وأن يحصّنوا أنفسهم بمعنىً يمتدّ في الزمن، فيشتقّون من ذلك معنى لهم في الحاضر. هكذا عاودوا الاتّصال بآخر يوم من أيّام حياتهم السائلة قبل أن تتجمّد، كي يستأنفوا من هناك سعيهم إلى مستقبل ما.

    والسوريّون، بدورهم، يستدرجون التاريخ ويتكشّفون عن أسماء ومعانٍ، وعن مدن وبلدات وقرى صادرتها «سوريّة الأسد» ودفعت بها إلى أضيق الهوامش.

    فهذا، أيضاً، بلد ينقسم طوائف ومناطق ليس التلفّظ بأسمائها هو الجريمة، بل الجريمة كبتُها باسم «الأخوّة» و «القوميّة» وإخضاعها، في الوقت نفسه، إلى نظام لا يفعل إلاّ إطلاق التفاوت في ما بينها. وهو أيضاً بلدٌ عرف سياسيّين وقادة وعسكريّين عاشوا قبل عقود مديدة من انقلاب حافظ الأسد في 1970. فمن ابراهيم هنانو وسعد الله الجابري إلى جميل مردم وخالد العظم وناظم القدسي، كانت هناك سوريّة قبل حافظ الأسد. ولا بدّ بالتالي من أن تكون هناك سوريّة بعد بشّار الأسد.

    والراهن أنّ تكتّم الحاكم الفرد على التاريخ شبيه بتكتّم السارق على سرقته. فهو يعرف أنّ تلك الأشباح الفاضحة للسرّ، إن لم تُسدّ عليها طريق العودة، طافت واستولت على الأمكنة والعواطف وقضّت مضاجع الحاكم المطمئنّ. وظهور الأشباح وعودتها، وفقاً لعديد الثقافات القديمة، نذيران بموت مَن تظهر له الأشباح. لكنّهما، قبل هذا، إدانة صريحة تقطع بأنّه هو فعلاً مرتكب العمل الشائن قتلاً كان أم سرقة.

    والمستبدّ، للسبب هذا، يحرس عالمه بالمسدّس كي يضمن أنّ الأشباح لن تعود إليه، وكي يحول دونها بالقوّة التي تتكفّل طرد خوفه هو نفسه. فالقاتل الذي يستهويه أن يتفقّد مسرح جريمته لا يحبّ لمسرح الجريمة أن يتفقّده. إنّه يفعل هذا بشروطه هو، وبشروطه وحده.

    وقد نذهب أبعد فنرى أنّ «البعث» الذي صدر المستبدّ عنه هو استعانةٌ بالخرافة، التي لا تتجسّد بشراً وأسماء وأمكنة، على الماضي الفعليّ القابل لأن يتجسّد وأن يكون ملموساً. وعلى هذا النحو يُسأل يعرب وقحطان وعدنان أن يحضروا من أجل أن يملأوا الأمكنة التي يُطرد منها رشدي الكيخيا وصبري العسلي وسلطان الأطرش وأكرم الحوراني وجمال الأتاسي.

    وفي مطلق الحالات قد يتقادم التذكّر وقد تعتق الذاكرات، إلاّ أنّ محو الذاكرة الجمعيّة التي تعمل في الخفاء يستدعي من الحرّاس أعداداً لا تملكها امبراطوريّات شاسعة.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    03.05.2011

    Leave a Reply