• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لا نظام «مافيوياً» ينظم نهب النظام

    كبرت العائلة وزاد عدد أفرادها، فتمددت إلى محيطها، ومدّت الأيادي إلى الأملاك العامة، بغية تأمين السكن والسكينة لأبنائها.

    وللعائلة لدى اللبنانيين، معان كثيرة. هي روحية، عندما يكون خطاب الإعلاء من شأن اللبنانية حاضراً، عندها يتحول لبنان إلى ملتقى فريد للعائلات الروحية، وهي مذهبية، عندما يطغى خطاب الخصوصيات، الذي يتضمن ضرورة احترام العلاقة «الديموقراطية»، القائمة بين المجموعات الروحية، ومراعاة التوازن الدقيق، الذي يرعى توزيع شؤون الدنيا عليها. والعائلة تعني المافيا، عندما تفرض الضرورة حماية مناطق النفوذ، ومنع الاتجار فيها من قبل مافيات أخرى، والتمتع بحق فرض الأتاوة وتنظيم طرق جبايتها، من دون رقابة فعلية أو محاسبة جدية.

    على امتداد السيرة اللبنانية، تناوبت المعاني الآنفة الحضور والغياب، لكنها في السنوات الأخيرة أخلت المقعد لمعنى المذهبية الخصوصية، وسلمت «الأمانة» راهناً، لمعنى المافيا، المرادف بلا أقنعة وبلا براقع، لمعنى السطو على كل المقومات الوطنية. هذا الأخير تقوده العلاقة «الأبوية»، إذ، وعلى غرار المافيا الغربية، يتمتع «أبو المافيا» بامتياز الأمر والنهي، وفرض الطاعة، غير المنازعة، على سائر الأبناء. تشد المافيا، إلى علاقة النسب، مكاسب مادية وسلطوية، ومواقع نفوذ. تشترك المافيوية اللبنانية مع نظيراتها في كل الأسباب المادية، وتتميز عنها باللحمة «الروحية»، وبالشرعية السياسية، التي تكفل للعديد من «الأبوات»، حصانات سياسية رسمية.

    في مكان، المافيا خارج القانون، وفي مكان آخر، المافيا تصوغ القانون، وتحرس تنفيذه، وبدقة «أبوية» عالية!

    لكن نظام «العائلة» اللبنانية، أو جوهره، هو اللانظام. هذا كي يظل ممكناً خرق النظام باسمه، وكي يبقى كل خرق محمياً بأعراف التوافق، التي لا تحدها نصوص دستورية. اللانظام العائلاتي، المعمول به لبنانياً، له معانيه الخاصة أيضاً، وله تفسيراته وشروحه ومدلولاته، في القضايا «المفهومية» كافة، وفي الميادين المختلفة، السياسية وغير السياسية. من باب الاحتياط التحليلي، يجب القول، أن عدّة العائلات المفهومية متحركة وغير ثابتة، ولا يضيرها أن تبدو متناقضة ومتهالكة، بين موسم تفسيري وآخر، هذا لأن الأساسي لدى هذه العائلات، هو المكسب المرتجى من الأنساق الداخلية كافة، التي تدير علاقات «التحاصص» المادية. فوق هذه الأرض النظرية الرخوة، لأبناء «الروحية والمذهبية»، اللبنانية، ينظر إلى الوطن كمكان التقاء، أو كملاذ لفارين، أو كتجسد لأسطورة نزلت من سماء الماضي، وما زالت تنتج عناصر أسطرتها المستديمة.

    متى يصير الوطن وطناً؟ لا جواب، رغم أكداس الأجوبة المتداولة منذ نشأة الوطن حتى تاريخه. ما واقع الدولة إذاً؟ ليس أكثر من صندوق ادخار، وتنظيم قنوات الإهدار. وما حال القانون، الذي يفترض أنه الناظم العلائقي للملتقين فوق الجغرافيا؟ ليس أكثر من هراوة استنسابية، تشغّل في بقعة، وتشل فاعليتها في بقاع أخرى. والحصيلة؟ سيادة مفهوم الشطارة، لغة وممارسة، أي استعادة «الجذر الفينيفي»، لجميع اللبنانيين، الذين يتوزعون، عند الضرورة الأساسية، إلى عرب عاربة، وعرب مستعربة، وإلى قبائل لا وجود لها، إلا في الكتب التاريخية.

    تنجلي الشطارة السياسية، عن ممارسة اتهامية، وعن ادعاءات تطهرية. الآخر متّهم في كل ما يقوله، وفي كل ما يقدم عليه، والأنا، لا تعرف من الشأن الوطني إلا هموم تطويره والحرص على وقائعه. الحصيلة لا تتعدى التضليل، الذي يحبذه الجمهور الخاص، لأنه يهيء له السبيل إلى الشطارة الاقتصادية، التي لا تعني شيئاً آخر، غير نهب المالية العامة، ومدّ يد السرقة إلى كل الممتلكات الوطنية. فذلكة الشطارتين يتولاها شاطر طائفي ومذهبي، يدبج أوراق الإنشاء، ولا يهتدي إلى حرف «إشكالي» ذي معنى. هنا تحلّ «الكاريزما»، المتحدرة من جذور مسلك «القبضايات» محل الكفاءة، فالمسألة هنا لا تحتاج إلى إعمال النظرات، بل إلى استعمال العضلات. الحصيلة الإضافية في هذا المجال، تبادل الجهل والرضى به، بين الأب المافيوي وأبنائه، لأن مردود الكلام مثل مردود الاستماع إليه والإقبال عليه، محسوب من قبل الجميع، عداً ونقداً، وسياسة وأرضاً، ونفوذاً وهيمنة، وفوزاً بمحسوس الدنيا وبوعود الدين!

    في إزاء النسق المافيوي، الذي صارت إليه الأحوال اللبنانية، ما الموقف؟ هذا لأنه مطلوب القول، استطراداً، ما العمل؟ النطق بالموقف، مسألة أخلاقية، ومسؤولية وطنية، ومعطياته متوفرة، ومادته موفورة، لذلك فإن التذرع بمصاعب الممارسة، التي هي حقيقية، يعادل التخلي عن المساهمة في بناء خطة الخروج من النفق العائلاتي اللبناني، المظلم بكل المقاييس الحضارية والمجتمعية. في هذا المجال، لا يستقيم الموقف من دون إعلان عدم قابلية «النظام» المعمول به حالياً، للحياة، أي للانتساب إلى المستقبل، وفقاً لكل العناوين التي تجعل من المستقبل مستقبلاً. هذا الإعلان هو صنو رفض النظام، وصنو إعلان العزم على تأسيس بديل له. أسس البديل المأمول، تقوم على أرض العلمانية والديموقراطية الصلبة، وهذه لا تستنسخ تجارب القريب «العلماني» الاستبدادي، ولا تسقط مسائل البعيد العلماني، بكل منوعاتها. ممرات التأسيس موجودة في كل المسائل الحياتية، وضمن كل مفاصل البناء «الفوقي»، و«القاعدة التحتية»، ذلك يقتضي إعمال الجهد في استخراج المطالب، وفي صياغة شعاراتها، كمقدمات ضرورية لحشد وتنظيم قواها، وافتتاح مسيرة جهودها التراكمية. الوضوح في تقديم البدائل يعادل مبرر وجودها، إذ منذ الكلمة الأولى، يجب الإعلان البرنامجي عن الهدف الأخير. المرونة لها مكان آخر، فهي موجودة في التحالفات الآنية والمستقبلية، وفي التدرج في صياغة المطالب، وفي الانتقال الهادئ من شكل تحرك إلى آخر، وفي العناية في شروح مغزى الأهداف البعيدة، وفي التأكيد على تاريخيتها وعلى موضوعيتها، وعلى إمكانها، وعلى أنها تحمل معنى الوطن والمواطنة، الذي لا استقرار يرتجى خارج سيادة مفاعيله وأحكامه.

    من شعارات البداية، فصل الدين عن الدولة، حتى لا تستمر «المافيا» المشتركة، في الاستيلاء على دنيا اللبنانيين، وعلى تقرير شكل الانتقال إلى آخرتهم.

    أحمد جابر
    جريدة السفير
    28.04.2011

    Leave a Reply