• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مؤشرات الحكم الرشيد

    يُعتبر الحكم الرشيد أحد توجهات العصر في عالم السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وقد اكتسب شرعية متجددة في حقول علم الاجتماع والسياسة مع نضوج ثقافة حقوق الإنسان والمواطن، وأصبح طموحاً وشاغلاً إنسانياً على الصعيد العالمي، فتوفرت في هذا المجال اقتراحات متعددة لمعاييره تُقاس نماذج الحكم على سلّم قيمها، كما أصبح من الشائع مسارعة أنظمة عديدة إلى إعلان مقاربة ذلك الأنموذج في بعض ممارساتها.

    وهو يُبنى على ركائز أساسية: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة القانون، والفاعلية، والإنصاف. ومن المؤكد: أولاً، أنّ توفير الركائز السابقة لا يكتمل إلا بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني، والإفساح بالمجال أمامها لمراقبة أجهزة الحكم ومؤسساته وتقويمها ومحاسبتها. وثانياً، إنّ الحكم الرشيد لا يعني تخفيف دور الدولة بل يعني تغيير دورها، خصوصاً في بلداننا، فعندما يسعى منظور الليبرالية المتوحشة لإضعاف دور الدولة، بدعوى تقوية السوق وإطلاق آلياته الفعّالة، تتحول الليبرالية إلى عائق أمام الديموقراطية، ليس فقط بسبب ما تفترضه من تطابق تلقائي بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية فحسب، وإنما أكثر لأنها تنزع إلى تجاهل قيم العدالة والمساواة التي لا يمكن أن تستقيم من دون تدخل الدولة الممثلة لعموم الشعب وإرادته العامة.

    ويبدو أنّ البحث عن مؤشرات الحكم الرشيد مسألة مجازية إلى حد كبير، إذ إنّ الحكم في الدول العربية، بغض النظر عن كونه نظاماً جمهورياً أو ملكياً، يفتقر إلى هكذا مؤشرات. فعلى الرغم من أنّ أغلبية الدول العربية لديها دساتير، وتقر بدورية الانتخابات، لكنها من جهة أخرى لا تسمح بالتداول السلمي للسلطة، وتفتقر إلى وجود مجتمع مدني فاعل، بل تعيق قيام هكذا مجتمع.

    وعليه لا بد من الحكم الرشيد كمطلب أساسي في إدارة الدولة، بتعزيز الشراكة ما بين القطاعات الثلاثة العام والخاص والمجتمع المدني. والأهم من كل ذلك محاربة الفساد وتنشيط دور المجتمع المدني ليقوم بدوره الرقابي والمساءلة في حال التقصير أو العبث بالمال العام وبالتالي الصالح العام.

    وبهدف ضبط الأمور لا بد من تعزيز الشفافية والمساءلة وتوفير المعلومات، والأهم ليس استقلال القضاء فقط إنما تحقيق نزاهته أولاً قبل منحه الاستقلالية كي لا يتجبر بأقوات ومصائر العباد، ولكي يكون قادراً على لجم استغلال المسؤولين لمناصبهم بهدف تحقيق مآرب شخصية من دون الاهتمام بمصالح المواطنين من حيث أنها من أهم مهامهم، ولكونها تندرج تحت جرائم الفساد موضوع الساعة بالنسبة للشباب في العالم العربي. لذا نجده وقد ثار لينادي بتحقيق العدالة والمساواة وبرفض الدولة المستبدة، ويطالب بدولة الحق والقانون التي تتيح التنمية المتساوية لجميع جهات الوطن، وتوسّع خيارات مواطنيها وتفتح آفاقهم بتوفير مستوى عالٍ من العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

    وفي سياق البحث عن الحكم الرشيد تعيش التجربة السياسية في العالم العربي حالة غريبة من الاحتقان، الذي أصبح يهدد في كل لحظة بتفجير الأوضاع العربية. ويمكن تفسير هذا الوضع بغياب شامل وكلي لأنموذج الدولة الحديثة، التي تقوم على أساس الديموقراطية وسلطة المؤسسات. ويبدو أنّ ثمة عوامل ثلاثة تظل هي المحرك الأساسي للانفجار والثورة في العالم العربي: أولها، تآكل صلاحية المشاريع الوطنية للدولة العربية، وذلك إما بفعل الفشل السياسي والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي، أو لانعدام القدرة على تحقيق التماسك الداخلي. وثانيها، زيادة النزعة الإقصائية والاستئصالية لسلطة الدولة العربية، والتي تعبّر عن نفسها يومياً في السلوك القمعي لأجهزتها ومؤسساتها الأمنية، ما يوّلد احتقاناً مجتمعياً يعزز نزعات التمرد ويدفع ببدائل التفتت الداخلي إلى الواجهة. وثالثها، وجود أدوار وقوى خارجية تسعى لاستثمار ما سبق من أجل تعزيز حضورها في العالم العربي.

    ولا شك بأنّ عوامل التطور والتغيير السريع والثورة التكنولوجية، وبالتالي توفر الاتصالات السريعة والمعلومات والإعلام بكافة أشكاله، عمل على إحداث التغيير الكبير في حياة الناس خاصة الشباب، والذي أصبح أكثر علماً ووعياً وله مطالب لا يستطيع أحد أن يوقفه عن المطالبة بها. ناهيك عن خروج النساء لطلب العلم والعمل وازدياد مستوى مشاركتهن في مؤسسات المجتمع المدني بكل أشكالها نتيجة لكفاحهن ولتقلص تأثير المعوّقات الحضارية والثقافية والتي كانت تعيق مساهمتهن في التنمية، وأثر ذلك على النمط الأسري ومستوى وعي أفراده.

    وتقدم ثورة الكرامة والحرية في تونس أنموذجاً صريحاً وواضحاً لما يمكن أن تتمخض عنه دولة الاستبداد، فمن الطبيعي جداً أن يقود انسداد الآفاق وتفاقم الاحتقانات السياسية التي تفضي إليها ممارسات دول القمع إلى جعل المجتمع بوتقة للصراعات الداخلية خصوصاً مع انعدام أفق الإصلاح، ومحاولة بعض رموز السلطة القديمة طرح الوعود على الناس بإحداث تحولات سياسية حقيقية.

    ولا شك بأننا في سباق مع الزمن والخيارات باتت أمامنا محدودة، والمطلوب من الجميع السرعة في اتخاذ قرار شجاع ووحيد وهو خيار الدولة القوية والعادلة والرشيدة، فهي القادرة على حماية مواطنيها والحفاظ على كرامتهم وممارسة حقوقهم وحرياتهم الأساسية في ظل سيادة القانون، بحيث يخضع له الحاكم والمحكوم على حد سواء، وينعم الجميع بعدالته إذا ما روعيت المناهج السليمة والموضوعية في فرض أحكامه.

    وهكذا، لن يستطيع العرب الخروج من تأخرهم الحاضر من دون ايجاد نظام سياسي كفؤ، يتناسب مع متطلبات العصر ومعايير الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، تستطيع فيه جميع مكوّنات المجتمع المشاركة والتفاعل من أجل حلول أفضل لمشكلاته.

    عبدالله تركماني
    جريدة المستقبل
    26.04.2011

    Leave a Reply