• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الذين يصنعون الثورة غير الذين يصنعون الفتنة

    الثورة صراع بين الناس والسلطة. تنجح الثورة عندما تغير النظام أو تفرض على النظام تغييرات جذرية. في الثورة وحدة المجتمع ضد السلطة، لا تكون الثورة إلا بوحدة المجتمع.

    الفتنة صراع بين الناس والناس. تنتشر الفتنة عندما يحاول كل فريق فرض مطالبه على الفريق الآخر. في الفتنة انقسام الناس حول السلطة.

    يحقق الناس مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية فيما لو نجحت الثورة. بمعنى آخر، يكسب الجميع. في الفتنة يحقق الفريق الرابح مكاسبه بسلخها عن الفريق الآخر. تكون نتيجة الفتنة خسارة على فريق أو خسارة لجميع الأفرقاء.

    أغلبية الثورات تحقق نتائجها (أو تفشل) بسرعة، أما الفتنة فإنها تستمر وقتاً طويلاً. الثورة أمدها قصير؛ الفتنة أمدها طويل.

    الخراب والقتل الناجمان عن الثورة قليلان بمقدار قصر عمر الثورة. والخراب والدمار في الفتنة كبيران بسبب امتداد عهد الفتنة.

    لا تحقق الثورة انتصاراً لفريق على فريق، بينما تحقق الفتنة انتصاراً لفريق على آخر.

    إذا كانت الثورة توحد المجتمع، فإن الفتنة لا تحتاج إلى تنوع المجتمع المذهبي أو الطائفي أو القومي أو الاجتماعي. تخلق الفتنة أدواتها؛ تخلق الانقسامات وتؤججها، وتتأجج بنيرانها.

    تنجح الثورة بسرعة عندما تتخلى عن الدولة نخبها (السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والفئوية). تتحول الثورة إلى حرب أهلية عندما تتشبث النخب بمواقعها وترفض التخلي عن مواقعها، أو ترفض استيعاب النخب الجديدة.

    تنجح الثورة حين تبقى سلمية من أولها لآخرها؛ تتحول إلى حرب أهلية عندما تستخدم السلاح، خاصة منذ أيامها الأولى. النظام أكثر قدرة ومراساً على استخدام السلاح من الشعب حتى لو كان الشعب موحداً. للنظام مصلحة في أن يُستعمل السلاح، وذلك من أجل أن يحول الثورة إلى فتنة.

    تنجح الثورة إذا أبقت مطالبها مبسطة قليلة الكلمات التي يسهل إدراكها. البرامج المطولة تعيق عمل الثورة، وكل إطالة في عمر الثورة قد تحمل بذور أن يحولها إلى فتنة.

    تعتمد الثورة في كل مجتمع على الداخل. تعتمد الفتنة على الخارج؛ على التدخلات الخارجية. ما زال للتمييز بين الداخل والخارج أهمية، حتى في زمن العولمة. المجتمع الذي تعتمد نخبه على الخارج يحمل في طياته، دائماً، بذور الحرب الأهلية، أو الفتنة.

    تعتمد الثورة على الحوار، على التواصل بين الناس. تتشكل في ما بينهم أواصر تعاون وتعاضد أيام الثورة.

    تنشأ الفتنة على البغض المتبادل بين الأطراف. كل فريق يخاف الآخر، يضطر إلى كرهه، وإلى السيطرة على الفريق الآخر وعلى موارده. في الفتنة ينقطع الحوار بين الناس.

    تجتاج المنطقة العربية موجة ثورية؛ موجة ثورات في مختلف البلدان العربية بأشكال مختلفة. ربما كانت الأمة موحدة في مشاعرها ووجدانها لكنها متنوعة ومختلفة بدولها المتعددة. في كل دولة ثورة مضادة. في كل دولة جماعات يتعلق مصيرها بمصير السلطة وإيديولوجياتها ومصالحها. تخاف هذه الجماعات من الثورة ونتائجها. تعمل ضد الثورة، وأهم أدوات عملها هي الفتنة. ليست الفتنة وليدة تعددية المجتمع الدينية والسياسية، بقدر ما هي صنع القوى المضادة للثورة. حدثت الثورة المضادة، وتحدث في بلدان عربية متجانسة الانتماء الديني والقومي. والبلدان ذات التنوع لم تعد الآن كما كانت عليه في الماضي على صعيد التوحد والانتماء الموحد والنضال المشترك ضد الاستعمار، خاصة في مرحلة ثورات التحرر الوطني أو القومي.

    الثورة تصنعها الشعوب بمطالبها ونضالها. الثورة المضادة تصنعها السلطات بما تقرّر أنه ضروري للحفاظ على بقائها. تتناقض الثورة والثورة المضادة، بمقدار ما تتناقض أسباب ونتائج الثورة والفتنة. ليست الفتنة بديلاً وحيداً عن الثورة إلا بمقدار ما تؤدي الثورة المضادة إلى ذلك. لا يلام المجتمع على الثورة ولا على الثورة المضادة. يلام النظام العربي على الثورة، إذ انه جعل الحياة لا تطاق، وجعل الثورة ضرورةً للخلاص من هذه الحالة. ويلام النظام العربي على الثورة المضادة لأنه يستخدمها بشغف.

    لم يصنع الناس الثورة لأنهم أرادوها وحسب، بل لأنهم ما عادوا يطيقون الحالة التي سبقتها. يصنع النظام العربي الفتنة لأنه لا يطيق إلا الحالة الراهنة وما سبقها، وما يعتقد أنه سيليها.

    مجتمعنا متنوع لأنه قابل للتنوع؛ هو متعدد لأنه قابل للتعددية. لا يلام المجتمع على تعدديته وتنوعيته؛ ولا يعتبر كل منهما مصدراً للفتن النائمة، بل تلام السلطات العربية التي لم تحافظ على التنوع التي لم تجمع بين التنوع والسياسة كي يبقى التنوع رحباً سوياً، والتي جمعت بين التمييز والقمع ليصير التنوع بؤرة للفتنة حين اللزوم.

    تصنع الشعوب العربية ثوراتها، وتصنع الأنظمة فتنها. الأمل أن تنتصر الأولى على الثانية.

    الفضل شلق
    جريدة السفير
    22.04.2011

    Leave a Reply