• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الفساد السياسي سياسة طائفية

    تتشارك الطائفيات السياسية الفساد، وتسعى في ركابه، ويتبارى ممثلو الفساد السياسي الطائفي في صياغة العقم السياسي، ويجدّون في طلب تعميمه. خلال ذلك، لا يجد الفاسد سياسياً، ضيراً في تقاذف التهم، وفق أداء انتقائي يجمع بين الشيء وضده، ولا ينتبه إلى مفارقة النطق بكلام أبيض، فوق منصة تتشح بالأكثف من ألوان السواد.

    أصل الفساد السياسي غياب الأصول الوطنية، وهدفه إعادة إنتاج معادلة الولاء الفاسدة، ووسائله التهم الجاهزة، التي يستند قليلها إلى شيء من الوقائع، ويقع كثيرها في أحضان الظن والاستهداف الزهيد الأثمان. مبتغى الفاسدين النجاة بالمغانم، وهذه تمر دائماً في أروقة الوطنية المدمرة بفعل فاعل، وعن سابق قصد وتصميم!

    شيء من يوميات لبنان، وبعض من الأداء «الطهراني»، لأطياف من السياسيين الذين امتهنوا الطهرانية: حديث هدر موارد الدولة وعجز الخزينة والدين العام، واحد من الأمثلة. يدلى بالعنوان، الذي هو موضع اعتراف من الجميع بحصوله، أي هو محل توافق على وجوده، وبعد الإدلاء تكرّ بلاغات الاختلاف، التي تقول كل شيء عن «الأهداف السياسية المبيتة»، ولا تقول شيئاً عن حقائق الاقتصاد وسياسة النهب المعلنة.

    مقولة الإستراتيجية الدفاعية، ومناعة لبنان وقوته في ضعفه، أو في مقاومته، مثال آخر. يتوزع الكلام على الجمع، فيوزعه ويصنفه. تحضر الخيانة نداً لصف واسع من اللبنانيين، وتقيم الوطنية في صف طيف واسع آخر منهم. مستند الكلام لدى طرفي المعادلة هذه، «المؤامرة» والاتهام بالعمالة للأجنبي. وإذ يستعر الخلاف حول تحديد «من هو الأجنبي»، يسود منطق الانتقاء، الذي لا يتردد في ابتكار مقولات التحالف والصداقة والعون النزيه، لينفي بالتالي «رخيص الكلام»، الذي يعرّف كل تنفيذ لسياسة الغريب، تعريفاً مرتبطاً بالتواطؤ، الذي لا يتلاءم والمصالح الوطنية.

    وإذ صار للبنانيين مطلب عدالة، بعد اغتيال أحد رؤساء حكوماتهم (رفيق الحريري)، افترق اللبنانيون افتراقاً إضافياً، فصار «الدم المراق»، عنواناً لحق يتقصد بعض «الشركاء» في الوطن إضاعته، في الوقت الذي يسعى بعضهم الآخر إلى فرضه كمعطى وازن، في استقامة سياسات تدبر شؤون البنية اللبنانية. مثل كل مثال لبناني، احتلت العدالة موقعها الشقاقي، وتؤكأت بدورها على نظرية المؤامرة ذاتها، التي رمت البعض بصفة المجرمين الظالمين، وتركت للآخرين وضعية الضحية المظلومة.

    هذه الأمثلة المنتقاة، وما يجري مجراها، تطور التعبير عنها من الحذر والمداورة، إلى الإقدام والمباشرة، ولأن الكذب في السياسة اللبنانية ملح كل سياسة، فلا بأس من المجيء إلى «العدو» من الحركة، ومن اعتماد المعركة التصادمية، وليس الالتفافية، تكتيكاً أساسياً في قتاله. في حضرة الكذب السياسي المعمول به، تتغير المصطلحات، ويتبدل السلّم القيمي، بما يلائم أهواء الجمهور الخاص بكل «كاذب طائفي»، وبما لا يخرج عن فهم كل جمهور لخصوصيته. يتغذى الفساد السياسي من ضرورة الكذب، وتسمح الضرورات التكاذبية باستباحة المحظورات الوطنية.

    إذا شئنا البقاء على مسافة من تفاصيل السياسيين اللاهية، وجب القول إن فسادهم السياسي يظل الأساس المتين لكل فساد، والعلاقة «الفسادية» علاقة وجود، بالنسبة للفاعلين فيها والمنفعلين بها. عليه، وضمن تحويرات وتبديلات المصطلحات القيمية، تلبس الوطنية لبوس القائلين بها، خلّوا من شوائب التحالف والارتباط والاستقواء، ودون بذل عناء من أجل تبريرها. أما السبب فاعتقاد القائل بهذا الأمر أو ذاك، بصفاء سريرته، وبنبل مقاصده. الرفعة السياسية الأخلاقية، حسب ظن المنبري الطائفي، تقابلها الخسّة السياسية لدى منافسه، وتلازم كل ما يدلي به وما يقدم عليه، في كل المجالات السجالية.

    يبدأ السجال مع الفساد السياسي من التخفف من تبعات الاستماع إلى مندوبيه، ومن ثم الانتقال إلى جرّ الأسماع إلى ميادين النقاش الفعلية، حيث المادة كثيرة ومتنوعة. يجدر التحصن بداية، بسحب الثقة الوطنية من الطائفيين، وإعلان عدم جدارتهم بقيادة اللبنانيين إلى مستقبل أفضل، والإدلاء بدلو التحليل، الذي يشرح بالوقائع الكيانية والعملية، أن هؤلاء لا يعدون البلاد والعباد، بغير الانسداد السياسي، المفتوح على أزمات مصيرية متوالية. هكذا تقول سياسات المحاصة، وعدم الاتفاق على مسائل بديهية وطنية، وتعسير التداول الطبيعي للسلطة، وتعكير «الصفو العادي» لتوزيع الناتج الوطني العام، وهكذا تفيد أيضاً مقولات «نعمة الطوائف»، وسجن المواطنين في محابس أحوالها الشخصية، وتحويل مسألة الديموقراطية إلى ادعاءات حرية، وخنق أسسها ضمن تعريفات العددية والتوافقية والأكثريات التنازعية!

    عليه، يفرض الواجب السياسي والأخلاقي، على كل الذين يصبون إلى تغيير حقيقي، تعرية ألقاب الإنقاذ والتغيير والتنمية والمستقبلية، التي تنسبها الطوائف لذاتها، مثلما يقتضي الواجب الإعلان عن أن غد اللبنانيين موجود، بقضاياه، في أماكن أخرى، وأن الوصول إليه، منوطٌ بقوى اجتماعية وسياسية مختلفة، وأن هذه القوى ما زالت حمْلاً، يترقب المواطنون مخاضه.

    أحمد جابر
    جريدة السفير
    22.04.2011

    Leave a Reply