• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    اصلاحات أعلى الهرم: حدودها ومخاطرها

    آفاق مسدودة للاصلاح من فوق

    سبق وشاهدنا في مصر وتونس ونشاهد حاليا في ليبيا واليمن والجزائر، هرولة الأنظمة المزعزعة داخلياً، والمهددة بالانهيار إلى الإعلان عن مبادرات إصلاحية، تزامنت وما زال يرافقها إلحاح غربي، على إجراء هذه الإصلاحات، مع التشديد على عدم التعامل مع احتجاجات الشارع وغضبه بالوسائل القمعية أو العنيفة. والظاهرة اللافتة والتي لا بد من التوقف عندها أقله في دولتين حتى الساعة، تتمثل في الانفجار الذي يأتي من الداخل بالرغم من ادعاءات بعض الأنظمة، وتسرعها في رمي الاتهامات جزافاً على مؤامرات ودسائس خارجية.

    إن النمطية التي اعتمدها بعض الأنظمة العربية، من أجل تثبيت الاستمرار والتوريث يمكن اختصارها بعبارة “التمثيلية الدائمة لوجود مؤامرات خارجية”، وبالتالي ضرورة الالتفاف عليها لحماية الأمن والطمأنينة على الصعيد الداخلي. وكل ذلك وسط تفاقم الفساد على الصعيد السياسي، والفقر والبطالة والهجرة على الصعيد المعيشي. وعلى ما يبدو لم تأخذ الأنظمة العربية عبراً من التاريخ، وها هي اليوم تفاجأ بأن نظرية المؤامرات الخارجية، أو ضرورة حث الشعب للتأهب الدائم، وللاستنفار لخوض معركة تحرير وشيكة، أصبحت مقصرة وغير مجدية في تأمين استمرارية القبضة الحديدية.

    لم تستدرك هذه الأنظمة بإن تراكم التجارب التاريخية يؤكد عدم جدوى وفعالية إطلاق الوعود بالإصلاحات عند هذا المفصل بالذات، أي عندما تنطلق شرارة الانفجار في الشارع، وبأن التعامل مع الغضب المتفجر عن طريق الهرولة باتجاه إطلاق وعود بإصلاحات بنيوية سياسية سريعة، تقابلها تجارب تأتي من الماضي القريب تثبت عدم جدوى هذه الهرولة. حيث أن التاريخ الحديث والقديم يؤكدان النظرية القائلة بأن المسكنات السريعة لم تتمكن أبداً من معالجة أمراض مزمنة نخرت حتى العظام.

    يبقى أن بعض الدول البعيدة عن العالم الشرق الأوسطي كان قد تنبه سابقاً إلى خطورة السعي للقيام بإصلاحات في خضم اشتعال النيران. فخلال عقود السبعينيات من القرن الماضي، رأينا كيف لجأ معظم دول أوروبا الجنوبية من اليونان حتى اسبانيا إلى اعتناق النظام الديمقراطي، وكيف انسحبت التجربة ذاتها على دول أميركا اللاتينية حيث تقهقر حكم الجنرالات، والحزب الواحد، وتقدم عليهما صندوق الاقتراع. فلقد أدركت هذه الدول مسبقاً، مطبات قدوم عصر العولمة، وأن الشعوب والثقافات سوف تنفتح على بعضها، مع تنامي وانتشار شبكات التواصل على أنواعها. وبالتالي استدركت السيناريو الأسوأ الذي يتخبط ويتلظى في نيرانه معظم الدول العربية اليوم. ما لم ترد أن تفهمه غالبية الدول العربية هو استحالة استمرار أي نظام إلى الأبد مهما حاول إبقاء شعبه في غياهب ظلامية التوتاليتارية البائدة، القائمة على التعتيم الإعلامي وكم الأفواه. وذلك بالرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي مخترع وناشر فلسفة النظام التوتاليتاري القائم على القبضة الحديدية. الاتحاد السوفيتي تفكك بعد انهيار حائط برلين ولكن بعض الدول العربية ظل متمسكاً بهيكلية تعود لحقبة ما قبل الانهيار، ولم يغير في نمطية نشوء السلطة، حتى الساعة، حيث أن معظم هذه الجمهوريات تحول إلى ما يشبه الأنظمة الملكية الوراثية، حاصراً مقاليد السلطة بيد عائلة واحدة، أو حزب واحد.

    لا يغيب عن قادة هذه الأنظمة بأن العالم يتغير بسرعة رهيبة، وأن اللحاق بهذا التغيير على مستوى الداخل عندهم لا بد وأن يفرض نفسه في زمن ليس بالبعيد، ولكنهم فضلوا سياسة النعامة، فعمدت هذه “الجملوكيات” إلى تلقين شعوبها مفهوماً مختلفاً للإصلاح والتطور، والمتمثل بإصلاح تكون بطانيته منطلقة من أعلى الهرم إلى أسفله بعكس حركة التاريخ الطبيعية التي تنتج الإصلاح عادة انطلاقاً من القاعدة. وحصرت مبادرات الإصلاح في تطوير المزيد من القدرة على المنافسة الاقتصادية من خلال سياسات اقتصادية منفتحة، قد تكون إلى حد ما ليبرالية، ولكن فقط بهدف التمكن من اكتساب قدرة تنافسية للاقتصاد العالمي، ولكن في الوقت نفسه ظلت مغيبة أو متناسية ضرورة مشاركة القاعدة بهذه العملية التطورية. وكأنه تكتيك يهدف لإنزال هذا الإصلاح الاقتصادي من أعلى الهرم ليظهر بشكل الهدية الممنوحة من القائد لشعبه.

    الأمر الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه والذي تأتينا أمثلة عليه من ماضِ ليس بالبعيد، يتمثل بالخطورة المتأتية من الهرولة بإتجاه بعض الإصلاحات كإطلاق بعض معتقلي الرأي وسواها في منح بعض الحريات للتحركات الشعبية. فالمصير الذي لاقاه شاه إيران بعد إطلاقه لبرامج إصلاحية من أعلى الهرم، عن طريق إطلاقه ما سمي الـ”ثورة البيضاء” بهدف عصرنة البلاد، ما لبثت أن انقلبت نتائجها عليه، وأدت إلى خلعه من منصبه على يد حركة اتخذت من الدين مرتكزاً لانطلاقها، مستفيدة من ارتخاء القبضة الأمنية الحديدية. وعلى الطريقة نفسها أدت البرسترويركا التي أنشأها ميخايل غورباتشوف إلى خلعه بعد مدة قصيرة، من إعلانه لها. من هنا يمكن القول أن الإصلاحات هي من الجدية لحد، أنه يمكن توصيفها بسلاح ذي حدين. حيث التراخي في القبضة الهادف إلى نشر مفهموم الإصلاح، غالبا ما يترافق مع استفادة المضغوطين للتمادي في حركاتهم الثورية. في كل الأحوال يمكن إدراج معظم الأنظمة المزعزعة حاليا في الخانة ذاتها وتحت العنوان نفسه أي، في مخاطر الإصلاح الهرمي، الذي أكدته التجارب التاريخية الماضية، والحديثة منها، ولا سيما في مصر وتونس في المرحلة الأخيرة. تجربة قد نراها تتجدد في بلدان عربية أخرى حيث تتلاحق الأخبار عن انعتاق الثورات الشعبية.

    مهى عون
    جريدة المستقبل
    19.04.2011

    Leave a Reply