• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    صلاة من أجل القتلى

    لا نعرفهم بالأسماء، لا نعرفهم حتى بالأرقام كما يحصل للمساجين الذين تتوارى هوياتهم وأسماؤهم خلف الجدران. ليس لهم حظ السجناء ولا هويات المكتومين. نعرفهم تحت رقم واحد، نبأ يقول سقط في تلك الناحية هذا العدد أو ذاك، حتى هذا لا تريده السلطات أن يظهر فتدس فيه أعداداً لها ومن لدنها. لا تريدهم ان يستقلوا برقم، سيكونون محرومين من العدد، من العلامة الوحيدة لوجودهم، تريدهم أن لا يعودوا موجودين، أن يختفوا بدون أي اثر. تريدهم أن يرحلوا حتى من الاضبارات والسجلات، أن يرتموا في حفرة يجري تمهيدها فلا يبقى شاهد واحد، حتى لا يمسك الموتى بخناق الأحياء، حتى لا يدل التراب عليهم، حتى ينساهم التراب نفسه. إن لم يكن لهم مقبرة جماعية فسيجمعهم النسيان والإغفال. لا ليس النسيان هو ما يحيق بهم، ثمة بيوت لن تنساهم. ثمة من يسهرون على ذكراهم، لكنهم كثر ويتزايدون كل يوم، مئات تجر مئات وعشرات تجر عشرات، إنه حبل لا نهاية له حتى حين ينتهي، قصّة بلا خاتمة حتى حين تختتم. سيختفون بعد ذلك تحت الورود كما اختفوا تحت الردم. ستجد الذاكرة دائماً عذراً لنسيانهم. سيختفون في العيد كما تواروا في المأساة. سيندغمون في قوافل الموتى كما اندغموا من قبل في حشد الأحياء، فهم لم يذهبوا لينفردوا بشيء. كانت عيدان الياسمين في أيديهم حين ذهبوا وسقطوا كعيدان الياسمين. صلوا من أجل قاتليهم المحتملين وغنوا من أجل أن لا يخنقهم الغضب، تأسفوا لأن خصومهم اعتدوا على النسمة الحرة التي في رئاتهم والألوان الفسيحة التي في أعينهم. أرادوا أن يسدّ صمتهم ثغره، ان تسند أجسادهم حجراً. أرادوا ان يملأ غيابهم فجوة، أن ينزعوا الشوكة من غضب الخصوم، أن يعطلوا صاعقه، أن يبرّدوا الحقد، أن يجوّفوا القوة الضارية. قايضوا بالرحمة الرصاص، بادلوا الغضب بالشغف، باعوا الحب بالعداء، قاتلوا بالسلم والشوق والأزهار. أطلقوا كلمة الحرية على كارهيهم، أوقفوهم بكلمة وأرجعوهم بكلمة. كانت الكلمات المحناة بشوق الأجيال قوة، كان الشوق قوة والشغف قوة والضعف أيضاً قوة. لقد قتلوا عنف الرصاصة فيها، قتلوا الجريمة في القتل، قتلوا العزيزة في الدم وطهّروا الغضب من العداء والضغينة، كان العالم بسيطاً، كان الموت بسيطاً وقريباً من السماء والنجوم، لذا تقبلوه كعطية. لم يعووا أمامه ولم يتسولوا يوماً زائداً منه. كان الموت سيداً فأناموه، كان الاستبداد جنرالاً بعين زجاجية وجمجمته بين اليدين وعرشه من عظام فرشقوه باسمه الوحيد وهزئوا من ثورانه ومن عربة الموت التي جاء فيها. قالوا الحرية أطول عمراً من حياة واحدة، لكن الفضاء ممكن بشجاعة رجل واحد، قالوا انهم يخيفوننا بالموت لكننا قفزنا فوق الخيط، كان خيطاً وعبرنا فوقه. انها خطوة واحدة ونملك العالم، خطوة فوق ذاتنا الصغيرة، فوق خوفنا، ونملك الفضاء.

    لا نعرفهم. لكن نعطيهم وجوه أحبائنا، لا نعرفهم لكن نفهم ان الحد كان خيطاً فحسب. نفهم أن الطيران كان ممكناً بخطوة واحدة، خطوة واحدة وينتحر التنين. خطوة واحدة وينفجر اللغز. هذا الدم الأخوي سيتحول أكثر من أي شيء إلى معنى، سيتحول إلى حقيقة، لن تبقى طويلاً أشراك أنصاف المعاني، لن تبقى طويلاً الإلتواءات والمجاهيل المحروسة بالخوف، لن يبقى طويلاً ملاك الرعب ولا سر العرش. لن تبقى طويلاً العائلة المقدسة ولا سلطان الأوعية المتصلة والدم الذهبي. حياة واحدة فقط ويكبر الرمز، تهرب معاني الكهف بالآلاف كموجة لامعة من الحشرات.

    حياة واحدة وتزحف الأوهام والأشباح هاربة إلى الخارج. حياة واحدة ويجن وحيد القرن لكنها فقط حياة واحدة. ينهار الهرم الأكبر لكنها فقط حياة واحدة، ستزول الفخاخ في النور وتعود الحياة والموت بسيطين بعد أن التبسا طويلاً بالاستعباد والحيلة. لا نعرفهم، لكن سنعمر منهم الرمز الذي يجاور حياتنا. لا نعرفهم لكنهم لا يحتاجون بعد إلى أسماء وحتى إلى وجوه، سيكونون هكذا في دمنا وضمائرنا. سنبني لهم فيها مقابر جماعية وسيكون الفضاء كله هبة تلك القفرة الوحيدة التي حملتنا إلى العالم. سيكونون كنزنا وتراثنا وسيخرج تاريخنا الجديد من تحت تلك الخطوة، سيكون التراب النظيف هبتهم، الفضاء الكبير هبتهم، ستكون السماء الفسيحة هبتهم أيضاً. ستكون الحرية مديدة وأطول من حياة واحدة سيكون الفضاء كذلك وسنحيا جميعاً في النور الذي كان هكذا بفضل قفزة واحدة بفضل حياة واحدة، سنقول نعم للخطوة التي نقلتنا. نعم للهبة التي جعلتنا أحراراً. سلام على من أعطوا أكثر مما أخذوا وأكثر بكثير مما أعطينا. سلام عليهم يوم يتجسدون في شرائع ومعان. سلام عليهم يوم يبعثون في خليقة حرّة. سلام عليهم يوم يعودون في النور وفي الفضاء. سلام على الكرامات التي ضحوا من أجلها. سلام على القوى التي أطلقوها من الكهف، على جبل المعاني والرمز الأكبر، سلام عليهم يوم يبعثون في ضمائرنا ويوم يولدون ثانية في أحفادنا وأطفالنا، ويوم يقومون في رسائلنا وفكرنا، سلام سلام.

    عباس بيضون
    جريدة السفير
    16.04.2011

    Leave a Reply