• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هنيئاً للبنانيين

    نجح اللبنانيون، أيما نجاح، في شفط اللحم والشحم عن جسم دولتهم، وأكل أعصابها. ويتناتش بعضهم هذه الأيام أشلاء من هيكلها العظمي المحطم.

    ونجحوا، أيما نجاح، في تحطيم شبه نسيج اجتماعي كان متقارباً يوماً ما. وباتوا علناً مذاهب ومناطق وعائلات، لكل منها مواقفه وهمومه وبرامجه وحروبه الخاصة. وسقطت ورقة التوت التي كان بعض يحاول أن يغطي وجهه بها، تحت ستار الوحدة الوطنية والمصير والعيش المشترك الخ…

    لم يعد بعضهم يتخفى وراء تكاذب من نمط التوافق والحل الوسط لإنقاذ الوطن. وبات تدمير ما تبقى من الوطن وتكسير ما بقي من الهيكل العظمي للدولة هدفاً معلناً. لم يعد شعار الاستقرار الداخلي يتعزز بتحييد البلد عن الصراعات الإقليمية. لا بل بات الشعار المعلن هو الانجرار إلى هذه الصراعات والدفع في اتجاهها.

    في ظل هكذا انقسام معلن، ألا يسأل «حزب الله» نفسه، مثلاً، ماذا سيفعل إذا ما نجح في السيطرة على البلد، في الوقت الذي يعارضه الُسنة ونصف المسيحيين؟ ألا يسأل «تيار المستقبل» نفسه، مثلاً، كيف يمكنه حكم بلد في الوقت الذي يعارضه الشيعة والنصف الآخر من المسيحيين؟ ألا يسأل التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي، وتجمعات سياسية أخرى منخرطة في هذا النزاع، عن دورها وموقعها في حال انتصار طرف على آخر؟

    ألا يسأل هؤلاء انفسهم عن معنى معارك كسر العظم الجارية ونتائجها؟ واصلاً عن معنى دفن دستور البلاد واتفاق الطائف وبعده اتفاق الدوحة وطاولة الحوار ومقرراتها؟

    لأن كل هذه الأسئلة لا تجد أجوبة لدى هؤلاء، نرى اليوم في لبنان هذه الظاهرة الاستثنائية في تحول الجدل السياسي من تعقيدات تشكيل حكومة جديدة إلى مزايدة في المواقف من إيران، تنديداً أو تأييداً. لا بل تتحول هذه المواقف عقدة الانشطار الداخلي. ليس جديداً أن يختلف اللبنانيون على موقف من بلد خارجي، لكن الجديد هذه المرة هو تزامن إنهاك ما تبقى من أشلاء الدولة وادعاء النطق باسم جميع اللبنانيين. لقد بات كل طرف يتعامل مع نفسه ومع الداخل والخارج على انه هو وريث الدولة المنهارة.

    الموقف من إيران ينطوي على حساسية خاصة، لكن ها هم الأطراف انفسهم يتنازعون الأشلاء إياها، في معالجة مأساة اللبنانيين في ساحل العاج كما في معالجة مشكلة سجن رومية. وبالحماسة نفسها التي جرى التنديد أو التأييد لإيران، جرى تبادل الاتهام على خلفية مذهبية.

    ليست جديدة في لبنان الخلافات المذهبية التي ارتبطت دائماً بنزاع على الحصص في الدولة الواحدة. وأمكن غالباً إيجاد صيغ تسوية لهذه النزاعات. أما الجديد هذه المرة فهو انخراط النزاع في تلك الإشكالية التاريخية على امتداد المنطقة، بما يجعل التسويات مرتبطة ارتباطاً عضوياً بها. أي يجعل هذه التسويات خارج متناول الوطن الصغير الذي تصبح فيه أي غلبة قهراً لا يستقيم معه استمرار التعدد فيه.

    المنطقة تنزع إلى الانشطار المذهبي والعنف في التعبير عنه، على نحو لا سابق له في العصر الحديث. ولبنان مرشح أن يكون في عين الإعصار، ما دام أبناؤه يتدافعون للالتحاق بهذا الانشطار، بعدما تخلوا عن كل صمامات الأمان لصون استقرار بلدهم.

    عبدالله اسكندر
    جريدة الحياة
    10.04.2011

    Leave a Reply