• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عندما يتمرّد السجّان الكبير في السجن الصغير ويكشف حقيقة عنفه وسلاحه

    سيخرج علينا، من بين “عَبَدة السلاح”، ثلاثة أنواع من المتحذلقين ليدلوا بدلوهم في ما خصّ التمرّد داخل سجن رومية وخارجه. القسم الأوّل سيعمد إلى تزوير الوقائع ومحاولة تلفيق أخرى بديلة، محرّكاً من الموقع التبعيّ للجماعة الغيبية المسلّحة شماعة المعتقلين الإسلاميين السلفيين، متغافلاً عن واقعة أنّ أغلب هؤلاء يرزحون في أقبية السجون من دون محاكمة. أمّا القسم الثاني فإنّه سيعمد إلى الاستعانة ببعض من شعارات “ما بعد الحداثة” نصرة لمنطق العفو العام عن مجرمي الحق العام، ومن يدري فقد يعتبر هذا القسم أنّ “إنتفاضة رومية” هي حظّ اللبنانيين من ربيع الثورات العربية. وطبعاً لا ننسى القسم الثالث، الذي سيمرّ مرور الكرام على عنف المتمرّدين داخل السجن وخارجه، ليعرّض بحقّ الدولة ومؤسساتها وأجهزتها في الدفاع عن الحدّ الأدنى القانونيّ لوجودها والحدّ الأدنى القانونيّ أيضاً لسلامة المجتمع اللبنانيّ.

    وأمام هذه الأنواع الثلاثة من التحذلق، تحضر الردود التقليدية من المقلب الآخر. الردّ التقليديّ الأوّل يقوم بالتفريق بين مطالب وجيهة كتحسين أحوال المساجين وظروف السجن والنظر في المحكوميات وفق القانون، وبين مطالب مخالفة تماماً لمنطق الدولة كمثل مطلب العفو الإعتباطيّ العام عن مجرمي الحق العام. والردّ التقليديّ الثاني سيكون بجمل تقليدية حول الإصلاح الإجتماعيّ والإنمائيّ المطلوب خارج السجن كمقدمة للإصلاح القانوني والحياتيّ داخله.

    أمّا الردّ الثالث – التقليديّ أيضاً، فإنّه سوف يعيد وضع المسألة في سياقها الحاليّ، أي في سياق ما بعد انقلاب “القمصان السود” وتعثّر الإنقلابيين شهراً بعد شهر في تأليف حكومة، وتشريع الأبواب في مقابل ذلك لأعمال تخريبية من اختطاف الإستونيين السبعة إلى تفجير كنيسة السريان في زحلة إلى الاعتداء على بعثات ديبلوماسية وصحافيين ومصوّرين إلى التجييش الفئويّ ضدّ الصيغة الميثاقية اللبنانية بنفس عنفيّ يحارب التقاليد الليبرالية أكثر مما يحارب الطائفية كما يزعم، بل إنّ هذا التجييش من النوع الذي يسهم كما العادة في تزكية النعرتين الطائفية والمذهبية.

    وهذه الردود التقليدية الثلاثة (التفريق بين مطالب وجيهة وأخرى تعجيزية، واعطاء البعد الإجتماعي حقّه، والسياق الذي يقتضيه مسلسل التدهور الأمنيّ والتجييش الفئوي) هي ردود نحسبها وجيهة إلا أنّها غير كافية. فالتمرّد داخل السجن وخارجه يكشف أيضاً بعداً آخر، وهو أنّ القوى التي تمنع فرض سلطة الدولة وسيادة القانون على جميع أراضي الجمهورية اللبنانية، وتحول دون المساواة القانونية بين المواطنين اللبنانيين، تحولّت الآن إلى بيئة حاضنة لحالات تمرّد مباشر ضدّ القانون. أما البعد الثاني فهو أنّ هذه القوى التي تحوّلت إلى بيئة حاضنة للتمرّد على القانون إنّما تكشف باختيارها هذا الشكل من المعارك، وهذا الأسلوب من التدهور الأمنيّ، عن حقيقتها الأساسية، فهي ليست فقط مشروعاً لإسقاط كل توازن طائفيّ لأجل فرض هيمنة فئوية مسلّحة ومنزوعة الولاء للبنان. إنمّا هي مشروع لتفكيك المجتمع والكيان اللبنانيين.

    وهذا يعني اختلافاً أساسياً بين المشروع الفئويّ الهيمنيّ الحاليّ وبين ما سبقه من مشاريع هيمنة فئوية جزئية أو كليّة. فالمشاريع السابقة كانت تتبارى لجهة صلاحيتها وأهليّتها في تطوير المجتمع اللبنانيّ انطلاقاً من طرح نفسها بصفتها الأكثر تطوّراً واقتراباً من الحداثة في هذا المجتمع، كما كانت تتبارى لجهة قدرتها، من موقعها الفئويّ بالذات، على تجاوز هذا الموقع إلى ما يشبه فكرة الدولة. في المقابل، فإنّ المشروع الفئويّ الهيمنيّ المسلّح، الذي شرع في بناء نظامه منذ انقلاب “القصمان السود” إنّما يتبارى مع نفسه أوّلاً، ومع أخصامه ثانياً، لإثبات قدرته على تفكيك عرى المجتمع اللبنانيّ، وإلحاق تشويه جسيم بالفكرة الكيانية اللبنانية لأبعد مدى معيّن.

    وإذا كان المؤرّخون الموصوفون للفاشيّات الأوروبية قد استقرّ بهم الرأي على التمييز بين فاشيّتين، واحدة توّاقة إلى “فرض” الدولة على المجتمع بالقوّة (وهو حال الفاشية الإيطالية) وثانية تعبّر عن احتلال المجتمع (أو جزء منه) للدولة (وهو حال النازية الألمانية) فإنّ تاريخ الهيمنة الفئوية في لبنان انتقل هو الآخر من نموذج للفاشية إلى نموذج آخر: إنّ ثورة السجّان الكبير للشعب اللبنانيّ، ومن داخل السجن الصغير، أو على تخومه، وتحت شعار كالعفو العام عن كل المساجين، إنّما هي ثورة أقلّ ما يقال فيها إنّها ثورة على فكرة القانون بحدّ ذاتها، وهي إيضاح إضافي لِكُنْه عقيدة “أشرف الناس” التقسيمية.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    06.04.2011

    Leave a Reply