• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هل الفكر الاقتصادي مغيب في لبنان؟

    كتب أحد الاقتصاديين المرموقين مقالاً قال فيه ان جميع الأفرقاء السياسيين في لبنان ليس لديهم برنامج اقتصادي يبشر بتحسن على صعيد الانتاجية والنمو واطفاء الدين العام الذي يعتبره الثقل الاساسي على توقعات النمو في لبنان.

    ربما هو على حق في القول بأن الأفرقاء السياسيين ليس لديهم برنامج متكامل، لكن التطرق الى المشكلة الاقتصادية في لبنان عن سبيل برنامج موسع ومتكامل موجود وان يكن مغيباً حتى تاريخه عن القرار السياسي.

    عام 1992 انجز تقرير موسع عن خطوات معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي أعده فريق ضم ثمانية اقتصاديين كان بينهم ثلاثة على الاقل ملمين بالحاجات الاجتماعية، اضافة الى الحاجات الاقتصادية والمالية. والتقرير الذي انجز بناء على تكليف من حكومة الرئيس عمر كرامي اطاحته تظاهرات 6 ايار 1992 عندما تظاهر اللبنانيون معترضين على الغلاء وتدهور سعر صرف الليرة. وكانت فترة شباط 1992 وحتى ايار شهدت تدهوراً مريعاً لسعر الصرف من 880 ل.ل الدولار الى 1550 ل.ل الدولار، والتقرير الموسع كان قدم الى الحكومة في 5 ايار من ذلك العام. ومن توصيات التقرير في ذلك التاريخ اقرار سياسات لامتصاص فائض الليرة الذي كان قد تعاظم بسبب اقرار زيادة على الاجور بنسبة 60 في المئة تسببت بزيادة السيولة لان الزيادة أقرت بمفعول رجعي ولم يتخذ مصرف لبنان في حينه الخطوات الاحترازية لامتصاص السيولة فتعاظم الضغط على سعر صرف الليرة وكذلك تسارع التضخم لان اللبنانيين ممن حازوا زيادة الأجور بمفعول رجعي لم يجدوا ملاذاً من استمرار انخفاض سعر الليرة سوى الانفاق الشرائي وخصوصاً للمنتجات المعمرة والشقق. وكان اهون سبيل للمحافظة على القدرة الشرائية لدى الجماهير الاسراع في شراء الدولار، فتعاظمت كرة الثلج وخسر اللبنانيون مرتين، الاموال التي حصلوا عليها والثمن المرتفع لسعر الدولار.

    وعام 1998 تولى رئاسة الحكومة الرئيس سليم الحص وهو الاقتصادي الحصيف، وحمل معه مشروعاً للاصلاح المالي والاقتصادي انكب على اعداده فريق من الخبراء كان مؤلفاً من عدد ممن تولوا الوزارة حينئذٍ وخلال الفترة الاخيرة التي انقضت باستقالة حكومة الرئيس رفيق الحريري تحت الضغط السياسي لقوى المعارضة.

    برنامج 1998 تجاوز طاقة الادارة اللبنانية على التنفيذ وفي بعض جوانبه تجاوز المنطق الاقتصادي والمالي. فحين عرض البرنامج للمرة الاولى اشتمل على برنامج ضريبي يطال مكتسبات اللبنانيين اينما تحققت، في الخليج، أو أفريقيا، أو أوروبا أو جنوب اميركا، شرط ان يقيموا في لبنان فترة ستة أشهر. وعلى سبيل التذكير نشير الى ان هذا التوجه تبنته المعارضة اللبنانية أخيراً، وان لم يكن التبني من الرئيس نجيب ميقاتي. وعام 1998 شطب الرئيس الحص هذا الاقتراح بالذات لانه اعتبر ان اقراره يؤدي الى هجرة اصحاب الكفايات والنجاحات في الخارج من لبنان بقصد العمل انطلاقاً من الخارج وكانت قبرص تمثل فسحة قريبة لتأسيس الشركات العاملة على نطاق اقليمي ودولي في مقابل ضريبة لا تزيد على أربعة في المئة من الارباح.

    حكومة الرئيس الحص التي تولت الحكم 18 شهراً لم تتوصل الى تحقيق النتائج المرجوة على رغم وجود البرنامج المتكامل لديها، وكان السبب الرئيسي المعارضة السياسية في وجهها اضافة الى بعض الممارسات الاعتباطية لوزراء تسلحوا في المقام الاول بادارة الرئيس التي غاب عنها تصور تنشيط الاقتصاد وطغى عليها الى حد ما تدخل السلطات الامنية بصورة موسعة في ادارة الشأن العام.

    التفكير الاقتصادي الاصلاحي في لبنان يفقد الانتباه الى اقتصاد لبنان او اللبنانيين في الخارج. وما دام هذا الامر مغيباً عن انتباه الاقتصاديين وتحليلهم للامور، لن تكون لدينا سياسة اقتصادية شاملة وناجحة، ونحن نؤكد هذا الامر منذ زمن ونريد هنا تبيان ما نعني بالعودة الى مثلين يبينان معنى وابعاد اغفال دور لبنان واللبنانيين في الخارج سواء في البلدان القريبة أو البعيدة.

    اقتصاديون عدة يؤكدون ان نسبة الدين العام الى الدخل القومي بالغة الارتفاع، ذلك انها استناداً الى آخر الاحصاءات الرسمية على مستوى 138 في المئة أي اعلى مما هي في اليونان التي عانت مشاكل مالية واقتصادية فرضت تبني برامج مالية تقشفية وخفوضات لأجور الموظفين والعمال الرسميين وموظفي وعمال القطاع الخاص، علماً بان النسبة المشار اليها هي على مستوى 125 في المئة من الدخل القومي أي اقل مما هي في لبنان.

    في مقابل اليونان التي اضطرت الى الاستعانة بقروض ضخمة من الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي للقيام بالتزاماتها عن دينها العام، والتي يقدر ان تعجز عن ايفاء التزامات قريبة مقبلة، استطاع لبنان خدمة دينه، وتحقيق معدلات نمو مشجعة خلال السنوات الاربع المنصرمة والتي كانت منها اثنتان من اقسى السنوات دولياً.

    السبب في قدرة لبنان على ايفاء مستحقات خدمة الدين وتحقيق النمو واضح، الا وهو ان حجم الدخل القومي يفوق الارقام الرسمية التي تقدر هذا الدخل بـ40 مليار دولار، والبنك الدولي يقدر حجم الاقتصاد غير المنظور، أي غير المسجل رسمياً في لبنان، بنسبة 35 في المئة، أي بكلام آخر يفوق حجم الدخل القومي الـ50 مليار دولار، وهذا الامر يعني ان حجم الدين هو على مستوى 110 في المئة، لا على مستوى 137 في المئة. وعلى رغم ان هذه النسبة مرتفعة، لا بد من الاشارة الى ان نسبة الدين العام بالليرة هي على مستوى 55 في المئة من المجموع، وهذا الدين المسجل بالليرة لا يمكن ان يتسبب بعجز عن الايفاء، وان يكن من الممكن ان يتسبب بانخفاض سعر صرف الليرة. لكن هذا الامكان بعيد كل البعد، لان مداخيل اللبنانيين في الخارج افراداً ومؤسسات تفوق في السنة مجمل حجم الاقتصاد اللبناني في الداخل.

    البرهان الثاني على وضع لبنان الفريد يتوافر من احصاءات حسابات ميزان المدفوعات. فعام 2009 تدفقت اموال من التحويلات والاستثمارات الى لبنان تفوق الـ23،5 مليار دولار، أي ما يقرب من نصف حجم الدخل القومي الداخلي الذي اشرنا اليه، وهذا وضع فريد في العالم اجمع.

    ولا عجب في ذلك، ما دامت نسبة 35 في المئة من البالغين سن العمل ناشطة في الخارج، تتقاضى اجوراً تزيد ثلاثة اضعاف على مكتسباتها في لبنان. هذا، الى ارباح الشركات اللبنانية التي تزيد على 5-8 مليارات دولار سنوياً.

    ان المدخل لاصلاح الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان يتمثل في المقام الاول في استقرار عناصر السلم الاهلي. فالوضع المتأجج في الدول العربية القريبة والبعيدة مناقض لما هو الوضع في لبنان، حيث هنالك استقرار توازني أكثر منه توازن سياسي، والمطلوب ان يدرك السياسيون في لبنان ان استمرار النمو ومن ثم التطرق الى موضوع الدين العام وخفضه أمر يفرض على جميع السياسيين التعقل والابتعاد عن جموح السيطرة على مشاعر اللبنانيين ومصائرهم.

    الرئيس ميقاتي يدرك بصورة واضحة ان مستقبل لبنان يرتهن بسيادة الامن والاطمئنان، وفي حال تحقيق هذه النتيجة السياسية في المقام الاول يمكن ان نتوقع اندفاع لبنان اقتصادياً ومالياً الى فسحات أرحب وأنفع. وليت اللبنانيين يتذكرون ان معدل الدخل الفردي في لبنان عام 1974 كان على مستوى 2200 دولار للبناني في مقابل 1100 دولار للمواطن القبرصي، وقد صار دخل المواطن القبرصي منذ استقرار الاوضاع في قبرص بشطريها، على مستوى 35000 دولار سنوياً في الشطر اليوناني وهذا المعدل أعلى مما هو في اكثرية البلدان الاوروبية.

    السنوات الاربع الاخيرة التي شهدت طفرة مالية واقتصادية واستثمارية رفعت معدل دخل الفرد اللبناني الى مستوى 9500 دولار، هذا بحسب الاحصاءات الرسمية، ونحن نقدر المستوى بــ12 الف دولار.

    امكانات النمو وتخفيض الدين العام فسيحة اذا كان للبنان ان ينعم بالهدوء والسكينة والعكس بالعكس. وفي حال توسع شعور الاستقرار وترسخه، وتركيز الدولة على زيادة الانتاجية في القطاع العام، والتفاتها الى استثمار املاك مهملة منها مساحات شاسعة مبنية في حرم المرفأ – نحو 600 الف متر مربع – وعلى مشارف بيروت الشرقية، ومنطقة الردم البحري في ضبية، وتشغيلها شبكات متطورة وغير متقطعة للاتصالات، يمكنها ان تبدأ مسيرة النمو والتطوير. وعلى سبيل المثال فقط نشير الى ان شركة خاصة في تركيا انجزت معامل لانتاج الكهرباء بطاقة 1350 ميغاواط، وسوف تسوق منها في سوريا 500 ميغاواط، في حين لا نزال عاجزين عن اصلاح شبكة توزيع الكهرباء لتخفيف الخسارة، وصيانة المنشآت لتفادي انقطاعات قد تكون اوسع ضرراً مما حصل حتى تاريخه.

    مروان اسكندر
    جريدة النهار
    03.04.2011

    Leave a Reply