• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لماذا شطبتُ مذهبي عن الهوية؟

    أشعر في أعماقي أني مواطنة منذ زمن بعيد. لماذا؟ لأني لا أشعر في داخلي بأي تحيز أو تمييز ضد أحد او أي فكرة أو اعتقاد لأن قائلها يختلف عني سواء: بالدين أو اللون أو الجنس أو الثقافة أو اللغة. قد أختلف مع الآخرين، لكن فقط بسبب الأفكار نفسها أو المواقف وتجاه كل ما يتعلق بالتحيز واللامساواة التي تمنع العدالة الاجتماعية وتسمح باغتصاب الحقوق.

    لكن هذا التساؤل حول مواطنيتي ومتى شعرت بها صار يلحّ عليّ مؤخراً بعد أن أصبحت المواطنية فكرة رائجة تعم العالم العربي من أقصاه إلى اقصاه. فالمواطنية تتضمن معظم مطالب الثورات الشبابية من حرية وكرامة وعدالة ومساواة أمام القانون وتداول سلمي للسلطة وشفافية.

    وهي صارت تلحّ عليّ وعلى أقراني من التوجه نفسه بعد الحروب الأهلية الدامية التي قيدت وشرّطت كل توجهاتنا ونشاطاتنا. ولكنها أصبحت في الفترة الأخيرة كلمة السر والمفتاح للتحركات الشبابية في لبنان وقد شكلت لهم الثورات العربية أكبر تحدٍ أمام انفسهم وأمام العالم: هل يمكن أن يتطور الوضع العربي وينقلب إلى نقيضه ونظل في لبنان على تمسكنا بمذاهبنا وطوائفنا وجعلها هي سبب وجودنا وبوصلة انشقاقنا وشرذمتنا بحجة خصوصية لبنان وكونه ملجأ الأقليات العتيدة؟ وهل يمنع كونه ملجأ لها من التعامل مع الجميع سواسية وكمواطنين أمام القانون مهما كانت ديانتهم ومهما كان اعتقادهم؟

    مع ذلك وبعد مراجعتي لنفسي وجدت أني لم أتخذ أي خطوة أو أي إجراء يثبت هذه المواطنية! لكن الأحداث والثورات والتحركات الأخيرة سواء في لبنان أو العالم العربي وضعتني في حالة تحدٍ وجعلتني بحاجة لأن أثبت مواطنيتي هذه بشكل من الأشكال وأن أقدم على خطوة بهذا الاتجاه وعدم الاكتفاء بالقناعات الداخلية دون القيام بما يخرجني من حالة السلبية إلى فعل نشط وإيجابي. فكان أن حملت الطلب الذي بلوره “المركز المدني للمبادرة الوطنية” وذهبت إلى دائرة النفوس الكائنة في الطبقة الاولى من مبنى وزارة الداخلية المطل على شارع الحمراء ودخلت أسـأل عن الموظف المسؤول لكي يشطب لي مذهبي عن سجل النفوس.

    اتجهت إلى إحدى النافذتين اللتين يجلس خلفهما موظفان. سألني الموظف:

    – ماذا تريدين؟

    – أريد أن أشطب الطائفة عن سجل النفوس.

    نظر إلي مستغرباً؟

    – ماذا؟ تشطبين الطائفة عن سجلك؟ لم أسمع بهذا من قبل؟

    – كيف لم تسمع به؟ أُخبرت أنكم تقومون بذلك هنا من الآن فصاعداً؟

    – أنا هنا منذ سنتين ولم تمرّ عليّ أي معاملة من هذا النوع!

    – أرجو إذن أن تسأل، او تستفسر من أحدٍ ماذا عليّ أن أفعل؟

    توجه إلى موظف في القاعة قائلاً:

    – الستّ تريد أن تشطب الطائفة عن سجلها، هل يمكن ذلك؟ وماذا عليها أن تفعل؟

    تبرع أحدهم بالرد:

    – أجل إنها معاملات يجريها وفيق… يا وفيق، هناك معاملة لك، ثم توجّه إليّ قائلاً:

    – سوف يهتم بك الموظف الفلاني، انتظريه قليلاً… وقفت أنتظر فترة قيل لي فيها أنه ينهي معاملات. ومن ثم برز السيد وفيق وسألني ماذا أريد؟

    فسرت له، فأمسك الطلب بيديه ونظر فيه وقلب الصفحات الأربع عدة مرات. ثم قال:

    – عليك الذهاب إلى مختار لكي يعرّف عنك ويوافق على توقيعك.

    حسناً، حملت أوراقي وذهبت إلى المختار القريب مني في الحي وطلبت منه توقيع المعاملة وقام بذلك مشكوراً. وللمناسبة، بسبب النضال المعهود، سألته ألا يرغب في القيام بالأمر ذاته لنفسه؟ رفض ذلك، قائلاً أنه ضد الجميع ولم يعد يثق بأحد وضد كل ما يحصل لأنه يوظف دائماً لمصلحة أحد وأنه لا يعرف من يقف خلف هذه الحملة وبالتالي لا يريد القيام بذلك.

    تفهمت وجهة نظره فهي تعبير عن الإحباط والملل السائدين من الطبقة السياسية المهيمنة وعدم ثقة بالجيل الشاب وبتحركه بعد. لم يحبطني الأمر. فأنا نفسي تأخرت كثيراً للقيام بهذه الحركة، فهل يحق لي أن أعتب على الآخرين!؟

    عدت إلى دائرة النفوس وقلمها، وتوجهت إلى المكان الذي صرت أعرفه، أخذ الطلب مني موظف لطيف، وبعد دقائق جاء السيد وفيق وقال لي أنه ينقصني طابعين، سألته لو أن بإمكانه التلطف بمساعدتي للحصول عليهما. أجل قال، يا وفاء، أعطي السيدة طابعين. وهكذا كان، جاءت السيدة وفاء بالطابعين.

    لمن أعطي الطلب؟ سألت؟ قال لي لأحد الموظفين الجالسين، ليسجله ويعطيك رقم الطلب. توجهت إلى أحدهما، الجالس إلى اليسار وطلبت تسجيل طلبي. نظر إليّ قائلاً، انها مهمة السيد وفيق، وكأنه أمر لا يريد أن يكون له شأن به (إبعد عن الشر وغنّي له)، لست أنا من يسجل الطلب. يا سيد وفيق ماذا نفعل؟ تخاطبا، ومن ثم توجّه إليه بالطلب. تحادثا قليلاً، قبل بعدها الموظف تسجيل الطلب. فتح السجل وكتب عليه ما يلزم. ثم نظر إليّ بابتسامة رائقة وقال لي: بعد يومين يتم الشطب وتطلبين الحصول على إخراج قيد مشطوب عنه الطائفة!

    … أخيراً! سأصير حرّة؟ مواطنة أمتلك بحرية إيماني واعتقادي لنفسي فلا أحملهما علماً ألوّح به للآخرين ولا فزاعة ولا قرينة على شيء أو ضد أحد. مع احتفاظي بكل احترامي للدين الذي أنتمي إليه ولجميع الأديان الأخرى سواء الابرهيمية الثلاثة الكبرى أو الأخرى الآسيوية أو غيرها واحترم جميع الطوائف. ولكنها لن تحدد وحدها وجودي بعد الآن ولن تملي علي سلوكي ولن تحاصرني في جميع خطواتي فتمنع مساواتي بجميع الآخرين مهما اختلفت انتماءاتهم ومذاهبهم. هم أحرار بما يؤمنون ولا دخل للإيمان ولا الطوائف بما هي انتماء شخصي وفردي داخلي ووجداني بسلوكنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي أو العسكري.

    ما قمت به من شطب للمذهب، هو نوع من إدانة للمحاصصة والتعصب والانحياز واستغلال الدين والمتاجرة بالطائفة وإشهارها سلاحاً في وجه أي تقدم أو محاسبة أو إنماء. فقط لا غير.

    الآن كل ما أطلبه هو الاعتراف بحقوقي كمواطنة لا تحمل مذهبها على كتفيها وتمشي.

    منى فياض
    جريدة النهار
    01.04.2011

    Leave a Reply