• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لا خــــطـــــاب اقــــتــــصــــاديـــــاً في لــــبــــنـــان

    الكل يتكلم عن النمو والدّين ولكن لم يحدّد أحد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية

    بولونيوس: ماذا تقرأ، سيدي؟

    هاملت: كلمات، كلمات، كلمات

    شكسبير

    لا فريق سياسيا في لبنان يملك أو يقدّم للناس خطاباً اقتصادياً. ولا فريق سياسيا في لبنان يملك أو يقدّم للناس خطاباً اجتماعياً. لا أحد.

    نستعمل كلمة “خطاب” بمعنى محدّد. فكل كلام سياسي، ومن مشتقاته الكلام الاقتصادي والاجتماعي – ونعتمد في تفسيرنا هذا على الفيلسوف ميشال فوكو – يصبح خطاباً فقط حين يدخل في صراع مع أصحاب الوضع القائم أو أصحاب الخطاب الآخر من خلال تحديد أهداف ووسائل واضحة لتحقيقها. فالخطاب يحدد الهدف، واستطراداً الخصم. ولا خطاب حقيقياً دون خصم.

    الخطاب الاقتصادي غائب في لبنان. الكل يتكلم عن الدين والنمو، لكن أين الخطاب الذي يحدد الأولويات الاقتصادية ووسائل تحقيقها ومسار تنفيذها الزمني؟ الكل يذكر الدين الحكومي ومخاطر ارتفاعه المستمر، إلا أنه لم تجرِ منذ 20 عاماً مناقشة واحدة في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء عن الدين وكيفية الحدّ من ارتفاعه ومخاطره.

    صحيح أن هناك تصوراً رسمياً عاماً عن إجراءات لتخفيض حجم الدين، وينبثق هذا التصور من دراسة أعدّها صندوق النقد الدولي لهذا الغرض، وترتكز اقتراحاتها أساساً على زيادة الضرائب وعمليات خصخصة عديدة في القطاع العام. إلا أن الدراسة نفسها، التي اعتُمدت في مؤتمر “باريس-3” في اوائل عام 2007، تقرّ أنه حتى إذا تمّ تنفيذ كل الإجراءات الإصلاحية الملحوظة من خصخصة شبه شاملة وزيادات في الضرائب فإن مستوى الدين سوف يبقى مرتفعاً (أعلى من 100% من الناتج المحلي بتقديرنا). ويبدو أن هذه الملاحظة الهامة لم تلقَ انتباه المسؤولين والمراقبين واهتمامهم. أي أنه ليس هناك حالياً أي تصور فعّال حول مشكلة الدين.

    والمسألة الأهم تبقى قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو القوي في المدى المتوسط والبعيد، وهذا هدف أساسي لكي يتمكن الاقتصاد من إنتاج فرص عمل كافية، ولكي نضع الدين الحكومي (نسبة إلى الناتج المحلي) على منحى انحداري متواصل. إلا أن قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو القوي المتواصل مكبّلة بضعف إنتاجيته. ففي حين أن العمالة الحالية في لبنان أصبحت ضعف عديدها قبيل الحرب في عام 1975 أو أكثر بقليل، لم يرتفع حجم الناتج المحلي بالأسعار الثابتة إلا بحوالى النصف خلال الفترة نفسها، ما يعني أن معدل إنتاجية العامل لا يزال أدنى بشكل ملحوظ مما كان عليه منذ أكثر من ثلاثة عقود! ومن مظاهر هذا الواقع المقلق، إن لم يكن من أسبابه، تركّز النشاط الاقتصادي في لبنان، ومنذ الاستقلال، في رقعة ضيقة في وسط البلاد في حين تبقى غالبية اللبنانيين والمناطق اللبنانية وكأنها تعيش في عالم آخر، خارج فرص العمل المتاحة والتطور الاقتصادي. صحيح أن مساحة لبنان صغيرة إلا أن المسافات الاقتصادية والاجتماعية فيه كبيرة. وليس هناك خطاب واحد من قِبل أي فريق سياسي يتعرض لهذه المشكلة الأساسية في بنية الاقتصاد اللبناني.

    والخطاب الاجتماعي غائب أيضاً في لبنان. طبعاً، هناك عدة دراسات رسمية ميدانية وقيّمة أجريت منذ عام 1997 عن الوضع الصحي والتعليمي والمعيشي إجمالاً، إلا أنها دراسات لم تنتج سياسات لتحسين الواقع الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، أظهرت آخر دراسة رسمية ميدانية (وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عام 2008) عن الأحوال المعيشية في كل لبنان خلال عامي 2004/2005 أن 28% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وأن حالة الفقر في لبنان تتركّز في محافظة الشمال حيث 53% من سكانها (نعم، أكثر من نصف سكان الشمال) يعيشون تحت خط الفقر. ويقيم غالبية هؤلاء في طرابلس وعكار والمنية -الضنية. بالطبع، لهذه الحالة الاقتصادية والاجتماعية نتائج سياسية منها خلق أجواء مؤاتية لتفشي الحركات الأصولية. ما ردّ فعل أي من الفرقاء السياسيين تجاه هذا الواقع، وبالأخص من حاملي لواء التصدي للحرمان الاقتصادي والاجتماعي؟ لا شيء.

    وفي لبنان شبه خطاب سياسي فقط. نقول “شبه خطاب” لأن الكلام السياسي المتداول يحدّه أفق سياسي جامد، ويهدف فقط إلى تحسين حصة صاحب الكلام⁄الخطاب في السلطة مع بعض التعديلات الإصلاحية. ولا يدخل شبه الخطاب السياسي في لبنان في المسار الإصلاحي المؤسسي والقانوني، ولا في تفاصيله الضرورية ومتابعته الزمنية. وعلى سبيل المثال، فقلّما أجمع اللبنانيون على شيء كاعترافهم بمساوئ النظام الطائفي والويلات التي أتى بها أو لم يستطع تجنّبها. ولغاية الآن، هناك كلام لا بل شعارات كثيرة عن ضرورة إصلاح النظام الطائفي القائم أو إلغائه، وقيام الدولة المدنية، لكن لا أحد يطرح خطاباً واضحاً بمعناه التغييري والعملاني حول هذا الموضوع. إن غياب الخطاب السياسي عن كيفية تخطي النظام الطائفي للوصول إلى الدولة المدنية أو العلمانية – والمطالبة محقّة وضرورية – يلقي شكوكاً حول دوافع المطالبة بإلغاء النظام الطائفي عند بعض الفرقاء، ويعزز الهواجس الطائفية بدل تقويضها.

    لقد حان وقت الخطاب السياسي، ومنه الخطاب الاقتصادي والاجتماعي. فلنأخذ مثلاً مسألة الدين التي نعتقد أنها الأكثر إلحاحاً نظراً للأخطار التي يحملها حجم الدين بالنسبة للوضع الاقتصادي والسياسي معاً. وفترة الهدوء النسبي التي نعيش، كما الأجواء المالية العالمية المؤاتية بفعل الفوائد المتدنية بشكل غير مسبوق تاريخياً، مناسِبة جداً للبدء بسياسة فعلية وفعّالة لوضع الدين على مستوى انحداري متواصل ولفترة طويلة.

    يخطئ من يظن أن لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية محاذير سياسية كبيرة ناتجة عن زيادات في ضرائب ورسوم عديدة تتطلبها تلك الإصلاحات، وعن انخفاض في المستوى المعيشي للعديد من اللبنانيين من جراء التقشف المالي الواجب اعتماده لبضع سنوات. المشكلة ليست في الضرائب ومحاذيرها السياسية. فالمواطن اللبناني، أي مواطن، لن يتردد في تحمل عبء الإجراءات الإصلاحية من ضرائب وغيرها إنما فقط حين يتأكد أن جميع الفرقاء في المعادلة، من سلطة سياسية وأصحاب عمل ومصارف وغيرهم، هم أيضاً شركاء في تحمل عبء الإصلاح. لن يكون المواطن اللبناني مستعداً، وعن حق، أن يدفع وحده كلفة مشاكل اقتصادية نتجت عن ديون لم يرَ من منافعها إلا القليل.

    إذا حدث أن فاجأ المسؤول السياسي المواطن بخطاب إصلاحي جدي، وأن التزم تحقيق تعهدات خطابه، فمن المؤكد أن المواطن اللبناني سيدهش الجميع بمدى استعداده للتضحية. العائق الرئيس أمام الإصلاح ليس في حجم التضحيات أو الإصلاحات المطلوبة وفي صعوبة تنفيذها. وبالتأكيد، المشكلة ليست عند المواطن اللبناني بل في الجرأة في أخذ القرار الإصلاحي المناسب. فحين تتعهد السلطة بتنفيذ إصلاحات متكافئة من حيث عبئها على مكوّنات المجتمع تصبح مسألة الدين والإصلاحات الضرورية مسألة تفاصيل. وهذه التفاصيل هي طبعاً هامة ويجب تحديدها. إلا أن هذا موضوع آخر.

    توفيق كسبار
    جريدة النهار
    30.03.2011

    Leave a Reply