• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حول تظاهرة “إسقاط النظام الطائفي”: الاستثناء اللبناني من قاعدة العنف العربية

    يُعجَب المراقب من بعيد بهذا النظام الطائفي الللبناني الخارج عن القاعدة العربية: التظاهرات الشبابية الثلاث، حتى الآن، المطالِبة باسقاطه، لم تتعرّض لأي قمع من ذاك الذي يشاهده في كل التظاهرات العربية التوّاقة الى إسقاط أنظمتها. لا جرحى ولا قتلى ولا حصار ولا “بلطجية” ولا تهديدات بالصوملة أو التقسيم أو الحرب الاهلية… عجبا! أليس النظام اللبناني، طاعنا في السن، فاسداً توريثياً فاشلاً… مثله الأنظمة العربية الشقيقة؟ ثم أليس النظام الطائفي اللبناني موّلدا للعنف، صاحب السجل الأنصع في “التفسير” له والترويج لشروحاته والركون الى مستقبله؟

    بلى ولكن: اولا، العنف الذي نحن بصدده هو عنف ما بين الطوائف. والتظاهرات الخارجة للمطالبة باسقاط النظام الطائفي، هي بالتعريف وبالتجسيد، خارج دائرة الطوائف؛ يُفترض انها تجمع أفرادا جاءوا بدوافع شخصية-سياسية صرفة، ومن ألوان وأشكال لا تُحصى. انظر الى المتظاهرين والمتظاهرات… دقّق بهندامهم وسحنتهم وطلّتهم، ولن يفوتك تنوّعهم الهائل. صحيح ان من بينهم “شخصيات” و”وجهاء” من صلب النظام الطائفي، ولكنهم يبدون مثل سمكة خارج بحرها؛ كأنهم ليسوا في مكانهم الطبيعي. واذا بقيت هذه التظاهرات على منوالها الاول من التنوع والاختلاط، فسوف تتحول مع الوقت الى ملاذ آمن، لا بقعة من العنف والعنف المضاد، تحمي نفسها بنفسها؛ والسبب، المفارق جدا، هو النظام الطائفي الذي يعنّف على أساس طائفي؛ نظريا على الأقل.

    ثانيا، العنف الذي نتكلم عنه، العنف العربي الرسمي ضد متظاهرين، نابع من مصدر واحد، هو مصدر قرار هذا النظام، أي الرئيس، الذي هو في الغالبية الساحقة من الحالات صاحب عهد مديد. اما القرار في النظام اللبناني، فموزّع على عدد غير مستقر من “الرؤساء”، وعلى صراع دائم من اجل إزاحة “رئيس” هذه الطائفة وتنصيب رئيس آخر… ناهيك طبعا عن صراع أولوية هذه الطائفة الكبرى أو تلك في التحكّم بقرارات طائفة، أو طوائف أخرى… هذا التبعثر للسلطة أو لطاقة العنف هو الذي يمتّع اللبنانيين بشيء من الحرية. ولكن هذا الاحساس بالحرية، أو بنقيضها، يعتمد على العلاقة التي يقيمها المرء مع زعيم طائفته، أو زعماء طائفته. ثم يعود فيلتبس بشدة اذا خرج المرء من طائفته وأصبح تحت حماية رئيس الطائفة المعادية، وهكذا… المهم ان مخزون العنف ليس مركّزا في يد واحدة، كما في الديكتاتوريات العربية. انه منثور هنا وهناك، له وجهات أو مقاصد متعدّدة.

    ثالثاً، اللبنانيون دفعوا سلفا، ولا يزالون يدفعون، ضريبة العنف الطائفي، بحروبهم الاهلية الساخنة أو الفاترة أوالباردة. فمنذ أوائل السبعينات وحتى الآن، لم يقصّر النظام الطائفي في التسبّب بضرب الحجر والبشر، قتلا وتدميراً وتهجيراً، تليه اسرائيل… الضريبة اذن مدفوعة سلفاً، ولا جميل يُحفظ لهذا النظام، إلا واحداً، وهو اطلاق اللسان على عواهنه، من غير رقيب ولا حسيب (باستثناء حالة “تحريم” واحدة، كانت التظاهرة الاخيرة خير تعبير عنها: فعلى إحدى اليافطات كُتب “حلّوا عنا…”، ووردت صور “الرؤساء” الأبرز لتلك الطوائف، إلا صورة حسن نصر الله. وقد اجيب عند السؤال عنها ان شخصية نصر الله “مقدسة”).

    يتمتّع اللبنانيون اذن بقدر من حرية اللسان ضد نظامهم. كل الناس في لبنان ضد النظام الطائفي، كما في “مدرسة الهواة”، حيث الجميع ربح، حيث الجميع براء من فساده. هذه عادة ذهنية لبنانية راسخة، وكاريكاتورية أحيانا، ينعشها دائما وأبدا تذرّر سلطة الطوائف بين “أمرائها” الكُثُر؛ عادةٌ تمنح هؤلاء الامراء تصدّر اللسان المناهض للطائفية. لاحظ، مثلا، ان تظاهرات الشباب المطالبة باسقاط النظام الطائفي استحوذت على تعاطف وتأييد ومساندة إعلامية من قبل عتاة التمثيل الطائفي-المذهبي…

    ولكن لا بد من الملاحظة بعد ذلك، ان خطاب معاداة النظام الطائفي ليس خطابا خطيرا، كما هو خطير مثلا خطاب عدم شرعية الديكتاتور. فالأخير، على ما يحيطه من محرمات، هدفه سهل التصويب، ومعروف من أين يأتي الرد عليه؛ معروفة حتى أجهزته الخاصة، “السرية” منها والعلنية، التي يأتي منها هذا الردّ. ربما هذا ما جعل احدى رسمات الكاريكاتور تصوّر لبنانيا يطلب من ربه ان يمنّ على لبنان بديكتاتور!

    فلكي تتوصّل الى تحديد الغرض الدقيق لأي نشاط معاد للنظام الطائفي، عليك ان تقوم بعملية ذهنية معقّدة، تدمج التاريخ بعلم الاجتماع، لتفكيك امارات الطوائف وديكتاتورييها الصغار والمتوسطين. وهذه أولى العقبات الجادة أمام تظاهرات الشباب. حريتهم في القول لا تسعفهم وحدها لتسليط الضوء على النظام الذي يطالبون باسقاطه. من سخريات تاريخ اللبنانيين ان هذه الحرية، النسبية، نفسها هي وليدة النظام الذي يبغضون. فهم قد يحتاجون الى بلورة حرية مختلفة عن تلك التي سكنوا اليها واعتزّوا بها أمام الشعوب العربية الأخرى .

    الثورات العربية الراهنة تقوم كلها على وحدة الشعب، بكل طبقاته وقبائله وطوائفه وأطيافه الثقافية. واذا حصل، أثناء هذه الثورات، إنقسام ما، فهو لا يقوم على خلاف وطني بقدر ما يرتكز على أطراف أو أجنحة تحت القبضة الحديدية للنظام، لا حياة لها من دون الوقوف معه. أكثر من ذلك: الوحدة الوطنية هي السلاح الوحيد الضامن للانتصار على النظام، هي وجهته وديناميكيته. في لبنان، ننطلق من انقسام وطني عميق لننخرط في النشاط الرامي الى إسقاط النظام السياسي. إنقسام بين 8 و14 آذار، وهو الأعمق والأفدح، فضلا عن انقسامات أخرى رديفة أو سابقة. الشباب الناشطون في التظاهرات يتجنّبون اثارة هذا الانقسام؛ وهذا من دلائل الحكمة العالية (سنعود الى هذه النقطة).

    “قوة” الأنظمة العربية، أي استشراسها في الحفاظ على أمنها، وربط أمنها بأمن البلاد، هي التي رسمت حدود هذه البلاد الواضحة، غير القابلة للتخطّي، حتى لو بثورة. المواطن العربي العائش تحت كابوس هذا الأنظمة كانت مكافأته الوحيدة هي تلك الحدود التي وضعتها الدولة “القوية”؛ مع بيضة القبان الحاسمة، أي الجيش الواحد. اما الدولة اللبنانية، فمن نوافل القول انها ضعيفة، فيما النظام السياسي اللبناني “قوي”. لكن الفرق بين النظام والدولة، ان الأول طارىء، يُفترض انه متبدّل، مع تبدّل الأحوال والعقليات، ومع اهتراء صلاحيته بفعل الزمن. اما الدولة، فثابتة، أو هكذا يُفترض بها ان تكون حتى يجد البشر صيغة أخرى لتنظيم اجتماعهم. وعندما نطالب باسقاط النظام من دون ان يكون لنا دولة، من غير حدود فاصلة، كأننا نخوض بذلك مغامرة، نحن الأعلم برخاوة مآلها. النظام الطائفي يجب ان يتغير، طبعا، واثناء تغيره، علينا رسم ملامح الدولة التي نريدها وعاء لهذا التغيير.

    لكن علينا أيضا أن ننظر الى مرآتنا: الطائفية ليست نظاما سياسيا فحسب؛ انها نظام اجتماعي ايضا، يحدّد هويتنا الشخصية والعلاقات بيننا، ويرسي قواعد نزعاتنا ونعراتنا وثقافاتنا ومشاعرنا. وهذا نظام تفكيكه أصعب من النظام السياسي. ومسؤولية معالجته تقع أولا على المطالبين باسقاط النظام السياسي: فهم نواة المجتمع الجديد، لا النظام الجديد فحسب.

    الآن، التظاهرات المطالِبة باسقاط النظام الطائفي: جاء النداء من اجل التظاهر في خير ميعاد. فالنظام اللبناني، وإن تميز بتعدّد رؤوسه، الا ان شأنه شأن الأنظمة العربية الأخرى: بلغ من القِدَم ما أفرغه من طاقته على تسيير شؤون الناس وحمايتهم وضمان استقرارهم ومصالحهم. يقول البعض انه “قوي” في معرض التيئيس من امكانية اسقاطه، أو تغييره. لكنه في الواقع نظام ضعيف، لأنه فاشل، حتى بالقياس الى مقاييسه المعلنة.

    النداء من أجل التظاهر لبّاه أفرادٌ ينتمون الى طرفَي الانقسام الوطني، 14 و 8 آذار. ليس من الواضح اذا كان انخراطهم في هذه التظاهرات وتردادهم لشعار “14 و 8 خلّوا البلد دكانة!”، أو حتى التغاضي عنه، يعني تخلّيهم عن الشعارات الأساسية المحمولة لدى الطرفين. ربما يكون الشباب المبادرون الى التظاهر قد استشعروا، مع اندلاع الانتفاضات العربية، خفوت وهج قضية هؤلاء الطرفين… في هذه التظاهرات أيضا، بالاضافة الى الوجهاء والسياسيين، أعضاء من أحزاب أو مجموعات منظّمة أو نصف منظمة. هل يحاولون السطو على التظاهرات وتجييرها لأغراضهم الايديولوجية أو الاعلامية أو السياسية؟ وبنوع من التذاكي المكرّر؟ ربما، هذا الاحتمال وارد، وربما حاصل؛ انه واحد من التساؤلات المطروحة، بل انه نقطة تحريض أساسية لمعارضي هذه التظاهرات، أو غير الراغبين بالانخراط بها. التساؤل مفتوح الاحتمال والاجابة عليه مرهونة بوعي الشباب وبقدرتهم على تحريك الطاقات وتجذيبها.

    فالمهم في هذه التظاهرات انها أوجدت فضاء جديدا، مجالا جديدا، لالتقاء اللبنانيين بالسياسة غير ذاك الذي أثبت فشله. هذا المجال الجديد قادر على تجميع اللبنانيين حول السياسة، بعدما فرقتهم الأخيرة شعوبا وقبائل. واذا استثنيتَ المتطفّلين عليهم من أحزاب و”شخصيات”، فهم موزاييك فريد التنوّع، لا لجان انضباط بينهم، ولا اغراءات، ولا برمجة، ولا مصلحة غير تلك المعلنة… تعكسه هذه التظاهرات بالذات، كل تظاهرة وراء أخرى.

    لكن مهلا: نحن في لبنان. والنظام الطائفي هو آخر من يسقط من بين الأنظمة الشقيقة. لذلك فإن الطريق طويل، ومحفوف بالخطر. فلبنان بلد هشّ وعطوب، مفتوح على الرياح، على النسمات. أما واننا الآن بصدد إعصار ثوري، فلا نستطيع التنبؤ بخريطة طريقه نحو الحرية الحقيقية. الا ان طول الطريق هي نعمة أيضا: انها تصلح لتكون مدرسة تعايش، بين ابناء الطوائف المختلفة، وأطراف الانقسام السياسي المعطوف عليها. فعند بلوغنا ربع هذه الطريق، ونحن في هذا التمرين على الاختلاف، سوف يكون بمقدورنا، وضمن هذا الاطار فقط، ان نفتح النقاش حول انقسامنا الوطني. هنا سيكون الحوار حوارا، حول الطائفيتين، السياسية والاجتماعية. وقد نكون في الاثناء في حالة من يعيد صياغة هويته الوطنية، بعدما اهترأت هذه الهوية على يد النظام السياسي.

    دلال البزري
    جريدة النهار
    29.03.2011

    Leave a Reply