• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الناس لا التقارير

    ليس سهلاً على الحاكم في بلداننا أن يعرف حقيقة مشاعر الناس حيال نظامه. وليس سهلاً عليه أن يعرف مقدار التوتر القائم في المجتمع. وما يؤلم الناس ويقلقهم ويغضبهم. وما هي مطالبهم القريبة والبعيدة. ومدى ارتياحهم وحجم خيباتهم. ليس سهلاً حتى ولو اعتمد الحاكم سياسة الأبواب المفتوحة. ثمة طريقة تجعل الزائرين من صنف واحد تقريباً. لهذا يكتفون بالتعبير عن الولاء وبمطالب بسيطة لا تمس تلبيتها بقواعد الاستمرار والتكرار والاستقرار. لا يتاح للحاكم أن يعرف حتى ولو بادر بالذهاب إلى الناس. هاجس الأمن يساهم في برمجة الزيارات. وحتى ولو كانت مفاجئة فإن أهل الشرق الأوسط اعتادوا على الخوف من الحاكم والامتناع عن المجاهرة بما يمكن أن يعتبر تشكيكاً.

    يزداد الأمر صعوبة حين تتشابه عناوين الصحف. حين تكتب بحبر واحد ويشترط عليها أن تخلو حتى من علامات التعجب والاستفهام. وهكذا يضاف غياب النافذة الإعلامية إلى غياب الأحزاب أو المنابر المعارضة. في مثل هذه الأحوال تصبح وسائل الإعلام الموالية وموجزات المستشارين هي وسيلة الحاكم للاطلاع على مشاعر شعبه. وفي عالمنا تختصر وظيفة المستشار بإرضاء صاحب القرار. وما يصدق على المستشارين يصدق على الحزب الحاكم خصوصاً إذا كان يعتقد أنه يختصر مصالح كل الناس وتطلعاتهم وأنه يملك الوصفة الوحيدة الناجعة لعلاج كل المشكلات السياسية والاقتصادية هذا إذا اعترف بوجود مشاكل.

    تبقى القناة الأهم وهي قناة تقارير الأمن. وغالباً ما تفرض هذه التقارير اعتبار الولاء المطلق المعيار الوحيد. وعلى هذا الأساس تمسك بمفاصل الحزب والإدارة وتتحكم بتدفق المعلومات إلى مكتب الحاكم. ومن عادة أجهزة الأمن أن تسارع إلى فرز الناس فئتين: الأولى أقلية مشاغبة وموتورة وعميلة ومدسوسة تتحين الفرصة لإغراق السفينة وأكثرية مؤيدة تتمسك ببقاء كل شيء على حاله وبحجة رد كيد الأعداء. هكذا تتكلس مختلف المفاصل ويصبح الجمود هو القاعدة الذهبية ويتحول كل سؤال استفزازاً وكل دعوة إلى تغيير بسيط جزءاً من مؤامرة كبرى. وفي مناخ المحسوبية والجمود يستشري الفساد وتتشكل شبكة من المصالح المعارضة لكل تغيير يرمي إلى شيء من الشفافية أو قيام قضاء مستقل أو شبه مستقل. تتكرس قاعدة الصمت على مختلف أنواع الانتهاكات بحق المواطنين أو مصالحهم. أمام هذه الصورة لا يبقى أمام المواطن غير أن ينخرط في شبكة الولاء المطلق ليحصل على حقوقه أو بعض منها.

    دامت هذه الصيغة الذهبية عقوداً في منطقتنا. ووفرت في أحيان كثيرة استقراراً أخفى حجم التململ الذي كان ينتاب قطاعات من المواطنين. وكانت كل محاولة تطوير تقمع بحجة المحافظة على الاستقرار. وحتى حين كان الحاكم يحاول القيام بعملية تحديث محدودة أو عملية تطوير بطيئة كانت قوى الجمود في الحزب والأمن والحاشية تسارع إلى عرقلتها واستنزافها. لهذا كنا نرسف في جمود مديد قاتل فيما العالم يتغير.

    أمضت بلداننا عقوداً وهي أسيرة قاموس قديم تخطاه الوقت في السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام. وكلما حاول حاكم أن يهز هذا الجمود الرهيب كانت التقارير تسارع إلى عرقلة هذا التوجه بتخويف الحاكم من أن التغيير مهما كان محدوداً يفتح شهية الناس للمطالبة بالمزيد. لا مصلحة لبارونات الحزب والأمن في فتح النوافذ. وهكذا لا يبقى أمام النظام غير انتظار موعد الارتطام بالحقائق.

    تراودني أسئلة بسيطة أو ساذجة. هل كان زين العابدين بن علي يعرف حقيقة مشاعر الناس؟ هل كان حسني مبارك يعرف حجم المعارضة للتوريث والتجديد؟ ألم ترتكب التقارير جريمة إخفاء الحقائق؟ يحتاج تفادي الانهيار إلى قرارات صعبة ومؤلمة تقوم على الاستماع إلى الناس لا إلى التقارير.

    غسان شربل
    جريدة الحياة
    28.03.2011

    Leave a Reply