• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عندما ينهار جدار الخوف

    كنّا في القاهرة سنة 1993 في مؤتمر عربي عندما الحّ علينا سعدالدين ابرهيم مُنظم المؤتمر على مشاهدة مسرحية نتعلّم منها اكثر مما نتعلمه من كل وقائع المؤتمر. انها مسرحية كانت تُعرض في القاهرة للمسرحي لينين الرملي بعنوان: الحادثة.

    مسرحية لينين الرملي هي زلزال ضخم يُعري واقع التسلط الذي قد يعيشه الانسان يومياً في سلامته وأمنه وحريته في ظل انظمة تدّعي حماية الناس. المؤلف لينين الرملي هو جورج اورويل George Orwell العربي في الزمن المعاصر. انه يصف التوق الى حماية الذات من انظمة مُتسلطة لا تعيش وتستمر الا بواسطة الارهاب والتدخل في كل شيء بحجة الحماية والمساعدة والامن.

    ليس في المسرحية مشهد او عبارة او حركة ذات دلالة سياسية او توحي، ولو تلميحاً، بحالة سياسية. يكتشف المُشاهد المعنى تدريجاً من خلال حادثة، ظاهرها وأدق تفاصيلها غرام شاب بفتاة تنتظر مطمئنة في الشارع مرور سيارة تاكسي لتعود الى منزلها، فيخطفها الشاب الى مكان مجهول، لحمايتها حسب ادعائه، من ثلاثة شبان سعوا الى ملاطفتها وصدّتهم بلطف من دون ان تحتاج الى مساعدة احد. اما باطن القصة فهو الامن والحماية والسلطة والشرعية والنزاعات المفتعلة والتخويف والتدجين والتآمر والحرية.

    لن أسرد تفاصيل القصة البسيطة التي تتفاقم لتصل الى قمة التعقيد. فالرجل هو الوحيد القادر على التحكم بكل الوضع تجاه الفتاة المخطوفة والعاجزة، على رغم خُصب مخيلتها في ابتداع كل اشكال الرفض والاذعان والتحايل والتملق والاستعطاف. فإذا اظهرت الفتاة انها طاهرة كان جواب الرجل الانيق انها بحاجة الى حماية من المُفسدين. وان اعطت براهين على انها عاهرة كان الجواب انها تحتاج الى عناية اكبر لاصلاح حياتها. وتتعقّد شبكة الارتباط بالحب وبالحماية المزعومة الى درجة ان الاستمرار في رفض ارادة الخاطف، الطيّب المراس ظاهراً، يبدو، استناداً الى براهين عقلانية، جنوناً يقتضي معالجته في مستشفى للامراض العقلية.

    يظن المشاهد، اولاً، ان الرجل الذي يدّعي العشق تجاه الفتاة هو رفيع الخلق، بحسب ما توحي به اناقته ولباقته وسلوكه. ولكن المشاهد يكتشف ان الرجل هذا أسير القوة نفسها التي تجعله عاجزاً عن اي علاقة تبادلية. فلا يلجأ الرجل المتسلط الى القوة المادية الا نادراً. انه يسعى، بالاحرى، الى تدجين الضحية بدلاً من استفزازها، والهدف: لا مطالبة ولا معارضة ولا بطولات، بل اذعان او تأييد وتصفيق.

    كل بنيان التسلط القائم على الارهاب والترهيب ينهار في النهاية. ولا يقوم كل هذا البنيان الا على مفتاح واحد لباب واحد، وينهار عنكبوت التسلط اذا انتزع المفتاح او فُقد.

    قد يقول لينين الرملي ان كل هذا التأويل يتخطى مسرحية “الحادثة” التي هي مجرد قصة غرام وخطف من نوع غريب. واين الغرابة؟ ربما الدليل الوحيد على مغزى المسرحية ان احداً لا يسأل عن المخطوفة! لا أهل ولا اقارب ولا وسائل اعلام. الخاطف هو حامي الناس الاكبر. وينهار كل البنيان عندما ينهار جدار الخوف والتخويف.

    تعرفت بعد مشاهدة المسرحية على لينين الرملي، مُعجباً ومستغرباً وخائفاً عليه. انه عرض بين جدّية السياسة وظاهر التسلية المسرحية لاهم مسألة في السياسة والاجتماع وهي قضية الشرعية légitimité.

    سبق لكاتب في القرن السادس عشر، اتيان دي لابويسي Etienne de la Boétie (1530-1563) وهو معروف بصداقته لمونتان Montaigne ان كتب عن عامل الخوف والتخويف الذي يؤسس للطغيان.

    هذا هو الفرق بين الشرعية التي هي قبول الناس بسلطة الحاكم وليس اذعانهم، والتسلط القائم على ادعاء الحماية وعلى الخوف والتخويف.

    أنطوان مسرة
    جريدة النهار
    28.03.2011

    Leave a Reply