• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العلمانية ضمن شروطها السياسية

    تكررت مسيرة المطالبة بإسقاط النظام الطائفي، في لبنان، وزاد عدد المشاركين فيها. شكلت الحركة تلك تلويناً إيجابياً ناصعاً، على حواشي اللوحة السياسية اللبنانية قاتمة الألوان. لكن اتساع جمهور المشاركين وتناميه، يوجه العناية إلى التدقيق في طبيعة المحتشدين، من جهات عدة. الفئة الشبابية كانت هي الغالبة، لذلك يسود الاعتقاد أن «الجديد» القادم من خارج الأطر التقليدية، الطائفية وغير الطائفية، هو صاحب الكلمة الأولى في «فعاليات العلمانية»، المتحركة. إلى جانب «الشباب الجدد»، حضر الطائفيون، بأجساد بعض ممثليهم، وبأصواتهم، مثلما تواجد الحزبيون، الذين لم تثبت الحياة صحة نظرياتهم. التفاف من جهة طائفية على الظاهرة، من خلال «تأييد» شعاراتها، والتحاق من جهة منوعات قومية ويسارية بالحراك، من خلال «الاندماج» فيه، والطموح إلى التسلق على شجرته الفتية.

    سهولة الانخراط في أيام الاحتجاج العلمانية، تكفلت بها عمومية الشعار، و«رحابة» تحديد الذات، تحديداً دقيقاً، لجهة الفكرة والهدف ووسائل العمل وسبل التمييز المنهجي. من المبكر، مطالبة «الجهر العلماني» بكل ذلك الآن، لكن من الواجب الإشارة إلى ما تقتضيه مهمة إيصال الصوت من متطلبات، وإذا كانت «المدرسية التلقينية» مرفوضة في مقاربة الأمر، فإن التواصل معه ضروري وكذلك التفاعل مع مجرياته. ضمن هذه الخانة، يصير ملحاً القول، إن «العلمانيين» مواجهون بضرورة الفرز والتمييز، وهم سيكونون مدفوعين، بالتالي، إلى سلوك طريق التسييس، هذا إذا أرادوا تجاوز «اللغة الحقوقية» في دعوتهم، إلى سبل إنفاذ وتحقيق كل مندرجات العلمانية، وتحويلها إلى قضايا ملموسة، ضمن حنايا الأنسقة البنيوية اللبنانية.

    نستطرد قليلاً، هنا، لننكر على الداعين إلى الابتعاد عن السياسة، دعوتهم، لأن الدعوة اللاتسييسية واهمة، ببساطة، لأن كل السبل تؤدي إلى السياسة، ولا يمكن تثمير أي مطلب خارج ميادينها. وفقاً لذلك، يمكن فحص القوى السياسية، للابتعاد عن سياساتها، والتدقيق في المنطلقات النظرية، وفي الهياكل التنظيمية لهذه القوى، لتبيان لا علمانيتها ولا ديموقراطيتها وما إلى ذلك. كل ذلك حقيقي ومنطقي، ليكون ممكناً عندها التصريح بضرورة إقامة بنيان سياسي آخر، على أسس جديدة مختلفة.

    ما ورد، يضع «العلمانيين»، فكرياً وسياسياً وبرنامجياً، في مواجهة مع بنية النظام الطائفي اللبناني، بوضوح شديد مثلما ينزلهم منزلة السجال الأكيد، مع التشكيلات المعارضة والمعترضة، التي تختار حراكها حسب المواسم اللبنانية.

    من شأن السجال، أن يضع حدّاً للذين يتحدثون علمانياً وديموقراطياً، ويجلسون سياسياً في أروقة التشكيلة الطائفية، ومن شأن التفكير العلماني، أن يعيد الاعتبار إلى المفاصل العامة، التي تشكل ميداناً لتبلور هذا التفكير. هنا الصعد ليست أحجية، بل هي ماثلة للعيان، بديناميتها وبروابطها الناظمة، وطرائق مقاربة الصعد هذه جلية بدورها، وسبل المعالجة المقترحة لتطويرها أو لاجتناب ثغراتها واضحة…

    ضمن هذه المجالات ما القول الجديد، الآخر، الذي يستند إلى العلمانية؟ وما وسائطه التي سيفكك بموجبها البنية الطائفية، التي تضم الفكر والسياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد، وشؤون الدين والدنيا؟

    إذاً، هناك مسألة كبرى على صعيد الأفكار، تتطلب إمعان النظر فيها، لتحديد الخطوط الكبرى التي تقود «المسيرة العلمانية»، الطامحة إلى أن تحفر موقعاً جديداً.

    وفي موازاة ذلك، هناك كل القضايا التفصيلية القطاعية، وغير القطاعية، التي تشكل مدار استقطاب قوى جديدة، من خلال مخاطبة مصالحها، بلغة جديدة أيضاً. بناء الموقع الخاص المستقل، يشكل البداية اللازمة لإدارة العلاقات الموضوعية والظرفية، ولنسج التحالفات الأبعد مدى، مثلما يشكل أيضاً المدخل المفهوم إلى رسم المــسافة المطلوبة، عن هذا الطرف «المدني» والأهلي، أو ذاك. وإذ لا قطيعة كلية في السياسة، فإن الاقتراب أو الابتعاد من كل تشكيلة، يُقاس بمسطرة الذات، وبالاتصال مع منطلقاتها، أو الافتراق عنها. النتيجة الحتمية لذلك عدم قدرة الخطو الطائفي الماضوي، على مرافقة الخطو العلماني المستقبلي، وعدم كفاية البراقع الملوّنة لحجب حقيقة البشارة الديموقراطية، أو ستر قبح الجمود الطائفي، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بكل التشوّهات الاجتماعية.

    أحمد جابر
    جريدة السفير
    24.03.2011

    Leave a Reply