• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    اللغة السياسية اللبنانية حجج كاذبة ووعود بالجنة

    تشغل اللغة السياسية مركزا مهماً في حياتنا اللبنانية العامة. فنحن لانفهم أي حدث خاص أو عام إلاّ بردّه الى السياسة، ونحن لانستلذّ أي قول قبل أن نغمسه في صحن السياسة، ونحن لا ننام إلاّعلى وعود السياسة لنا بالأمان والبحبوحة. إن تعلّق اللبنانيين بالسياسة، على ما أظنّ، لا يضارعه أي تعلّق، لذلك إذا كان الإنسان عامة كما يقول الفلاسفة كينونة وجودية، فإن الإنسان اللبناني كينونة وجودية وسياسية في الآن نفسه.

    هذا الإنسان اللبناني كوّن لغته السياسية، أو بالأحرى خطابه السياسي، في ضوء حركة النهضة العربية، واحتضار السلطنة العثمانية، ومولد لبنان الكبير، والاستقلال عن فرنسا، واتفاق الطائف الذي ما زالت إيديولوجيّته تتحكّم بهويّتنا القومية، ومشاكلنا الإقتصادية والإجتماعية، وتنازعنا على السلطة حول من يحكم لبنان.

    الخطاب السياسي من وجهة نظر ألسنية نظام من الإشارات على ما يقول سوسير يسمح للناس بالتواصل، وهو خطاب في اللغة، وخطاب في الكلام لأن استعمال أهل السياسة للغة هو فردي وجماعي في الآن نفسه. فردي على صعيد الفرد المستعمل لهذه اللغة، وجماعي على صعيد الإيديولوجيا التي يستقي منها الفرد تصوّراته التي تتعلّق بمفهوم الأرض والشعب والدولة والوطن والأمة.والخطاب إنما سمّي سياسياً لأنه يتميّز حسب المعجم الفرنسي littre بكونه ” علم حكم الدول” وحسب معجم الأكاديمية الفرنسية “معرفة كل ما له علاقة بفن حكم الدولة وإدارة علاقاتها مع الدول الأخرى”.

    في الواقع تكاد السياسة أن تكون المرادف للإستعمال اليومي للإيديولوجيا، وتجد تعبيرها في ممارسة السلطة، أو في السعي للوصول إليها، والسياسة في الممارسة والسعي ملزمة باكتساب المشروعية التي تتمثّل في قبول الناس بها والموافقة عليها. يقول روسو في “العقد الإجتماعي” “ليس للأقوى من القوة ليكون هو دائما السيد ما لم يحوّل قوّته الى حقّ وطاعته الى واجب”.

    إن اكتساب المشروعية السياسية التي تسعى إليها كل سلطة يتمّ إما بالعنف الجسدي الذي تمارسه مؤسساتها الأمنية، وإما بالعنف الرمزي من خلال تسخير اللغة خطابة وبيانات وقرارات بهدف التبليغ والإقناع والإستتباع، أو التفسير والتبرير والتضليل.

    إذا كانت اللغة هي أداة العنف الرمزي التي يتوسلّها رجال السياسة بغية الإقناع والإستتباع، وتكريس السيطرة وتعميم الأوهام وتدعيم النظام الأجتماعي، فما هي السمات الأساسية لهذه اللغة في تمظهرها العام والخاص؟

    لاتهدف لغة السياسة الى التعبير المعرفي، ولا يهمّها كثيرا نقل الوقائع والحقائق، وإنما هي اللغة – الأداة التي توظّف لخدمة موقع، أو هيئة، أو شخص، وبالتالي فهي ليست لغة صريحة، وإنما هي لغة ملتبسة متعدّدة المعاني والإيحاءات والإحالات، وهي لغة تجمع بين الإستدلال العقلي والمغالطات المنطقية، بهدف إثارة الأذهان وتعبئة النفوس، وبذلك تلتقي بلغة الإيديولوجيا التي هي في الغالب فكر في خدمة السلطة. ولغة السياسة هي في الأساس لغة متحيّزة لأن هدفها ليس الوصف بل التقويم الإيجابي أو السلبي. لذلك نرى لغة السياسيّين تركّز على الإنجازات، وتتناسى الوقائع السلبية التي تكشف مراوغتهم وتفضح وعودهم الكاذبة. وهي تقوم بعملية إظهار وإخفاء. إخفاء ذات السياسي بأنها الذات المثالية في أعمالها وأقوالها، والحطّ من قيمة المعارضين لهذه الذات، وإظهارهم بأنهم المخربون، والعاملون على تقويض السلامة العامة.

    ولغة السياسة على عكس اللغة الأدبية لا ترمي الى الإخبار جماليا عن عاطفة ملتاعة، أوحلم مقهور، أو أمنية منسية، وانما ترمي الى تحقيق مصلحة سياسية أو اجتماعية أو مالية، وتتجه الى الإقناع والتبرير. تبرير الأقوال والأفعال باللجوء الى تفسيرات للوضع القائم. تبريرات ترمي من ورائها الى دفع الناس للقبول بشرعيّتها المشكوك بنجاعتها. هذا النوع من التأويلات (كل شيء سببه النظام الطائفي) تتحوّل فيه المسببّات الى نتائج والنتائج الى مسبّبات.

    ولغة السياسة تجري على عكس لغة الفلسفة، فهي لا تطرح الإشكالات، ولا تثير الأسئلة، وإنما تقدّم الأجوبة والحلول التي هي في طريقها الى الإنجاز، خوفا من سقوط شرعيّتها. من هنا نرى لغة السياسة تسعى الى الغاء كل مظاهر التعقيد بحيث يختلط في كلامها العقل بالهوى، والواقعي بالمتخيّل، أو كما يقول كسيّرر يختلط الإنسان الصانع بالإنسان الساحر.وبحيث يحّل ّفي مخاطبتها للرأي العام الإلهام مكان الحجّة والدليل.

    يلاحظ في لغة السياسيين اللبنانيين بشكل عام، اللجوء الى تعابير تنقل باستمرار حراجة الوضع السياسي أو الإقتصادي أو الأمني لتبرير ما يحدث من إهمال وتخلّف، وعدم القدرة على استئصال الفساد، فنسمع مثلا “الأزمة في السلطات على مستوى الرؤساء ” “الوضع الإجتماعي المتأزّم بسبب غلاء الأسعار”، “الحالة الإقليمية المتأزّمة”. إن اللجوء الى فكرة الأزمة هو في الواقع مهرب سهل للسياسيين في السلطة لتبرير ممارساتهم، واستدرار الظروف التخفيفية لإهمالهم وفشلهم في إدارة أمور الوطن العامة. وفكرة الأزمة المرافقة لكل وضع أوحالة هي في الواقع حجّة كاذبة لنفي المسؤولية عنهم وتحويلها الى عوامل خارجية لا يد لهم فيها. فبحسب منطقهم لا يعود الوضع الإجتماعي المتردي الى سوء إدارتهم للدولة، إنما يعود الى غلاء المواد الأولية في العالم، والبطالة المتفشية في سوق العمل لا تُردّ الى عجز الحكّام عن إيجاد فرص عمل للعمال، وإنما تُردّ الى العمالة الأجنبية من سوريين وهنود. ووضع الليرة اللبنانية تجاه الدولار، لا يكمن في عجز الحكّام عن ضبط الإنفاق، وتطوير الإنتاج واستقدام الرساميل الأجنبية، وإنما يكمن في وقوع لبنان تحت الهيمنة السورية والإيرانية الممثلة بسلاح “حزب الله”. إن اللجوء الى الحجّة الكاذبة في الحديث عن “الأزمة ” بضاعة سائدة عند رجال السياسة في لبنان، لأنها أيسر السبل لتبرئة الذات، وحمل المواطنين على القبول بأن رجال السياسة الحاكمين لا تقع المسؤولية عليهم، وإنما على الحرب الأهلية بين اللبنانيين، والصراع العربي الإسرائيلي.

    ويلاحظ في لغة السياسيين اللبنانيين أيضا اللجوء الى “حجّة الوعد بالجنة”، حيث لا يردّ الحاكمون منهم سوء الأوضاع المعيشية الى أسباب خارجة عن إرادتهم، كالحرب اللبنانية الأخيرة، واحتلال اسرائيل لبعض الأراضي في الجنوب، والوضع الإقليمي المتأزّم، وإنما يعترفون جزئيا بسوء الأوضاع على طريقة نعم ولا oui mais. يقول أحد السياسيين: “إن الأوضاع الإقتصادية حرجة، ولكن تمكّنامن إعادة فتح المدارس والجامعات، وتوسيع المطار، وتشجيع الإستثمارات، ونكاد ننجز البنى التحتية”. ولا تتوقّف حجّة الدفاع عند هذا الحدّ، وإنما يعطف عليها ” حجّة الوعد بالجنّة”. ومنطق هذه الحجّة أن الأوضاع إذا بدت للبعض سيئة في حدودها الحاضرة، فإن المستقبل سيحمل معه المن والسلوى. يقول أحد السياسيّين في هذا السياق “إن لبنان قطع شوطا في إعادة بناء نفسه ومستقبله. الحرب انتهت ولبنان سيعود كما كان لؤلؤة الشرق الأوسط”. هذا الأسلوب يُسكت المشكّكين والمعترضين، ويُخدّر المواطنين المستائين بتحويل واقعهم المزري الى آمال متروك أمر تحقيقها للمستقبل.

    ويُلاحظ في لغة السياسيّين اللبنانيّين نمط آخر من أنماط التعبير، هو اللجوء الى “تأنيب المواطنين” المعارضين والمعترضين حيث يحمّل الساسة الحاكمون مسؤولية الأوضاع المتردّية الى الناس على اختلاف طبقاتهم. من ذلك أنّ المعارضة تنشر “الغسيل الوسخ” وتهدّد الثقة بالبلد، وأن العمال يهدرون أوقاتهم بالإضرابات، وأن الموظّفين يتقاضون الرشاوى على كل شاردة وواردة، وأن الأساتذة والمعلميّن عددهم يزيد عن الحاجة،وأن الصحافة مرتشية، وتعمل من الحبّة قبّة. والكل كما يقول أحد السياسيين الكبار “يعيشون فوق مستوى إمكانياتهم”. أما أولئك الذين ينهبون خيرات الوطن من الحاكمين وأعوانهم من المستزلمين والمساهمين في الإحتكارات والتعهدات والإستثمارات فهم بمنأى عن أي لوم أو عتب.

    ويلاحظ أخيرا في اللغة السياسية عند اللبنانيين التأسيس لمنطق “إستثارة العواطف النبيلة”. ففي مواجهة الأزمة المعيشية يطلب أحد السياسيين من الناس أن “يشدّوا الأحزمة” حرصا على الأمن الإقتصادي، وفي مواجهة العدو الإسرائيلي يطالب سياسي كبير بتناسي المطالب مؤقتا، من أجل الوقوف في وجه العدو الرابض على أرض الجنوب، ومن أجل تعزيز الوفاق الوطني يطلب سياسي مصلح من السياسيين المعارضين والحاكمين، ومن الناس أن يترفّعوا عن المهاترات السياسية التي تؤدّي الى الفتنة، وتهدّد وحدة البلد. ومن أجل سلامة نظامنا الديموقراطي يطالب السياسيّون القادة من الجميع أن يتنازلوا عن المطالبة بحرياتهم في التعبير والتظاهر، وأن يتوقّفوا عن رفع شعارات العيش الكريم والحرية والسيادة والإستقلال، في انتظار ظروف وطنية وإقليمية ودولية مؤاتية.إن حجّة ” إستثارة العواطف النبيلة ” لدى المواطنين من قبل رجال السياسة الحاكمين يجعل من هؤلاء حسب تعبير فرويد الممثلين للـ “هو الجماعي” surmoi للبنانيين، وذلك بسهرهم الدائم كي يظل الأمن سائدا، والعيش مقبولا، والنظام محقّقا، كما يجعل من المواطنين ذواتا خاضعة لمشيئة هؤلاء. ذوات ترى القهر والظلم والفساد مستشريا، ولكن لاتجاهر برفضه ومقاومته حرصا على السلامة العامة.

    في النتيجة يمكن القول إن اللغة السياسية عند الساسة اللبنانيين لاتفرض احترامها وتقديرها بمنطق العقل والحجج والإثباتات البرهانية، كما تبدو أحيانا عند بعض الأحزاب العلمانية، والهيئات المدنية، والجمعيات البيئية بل باساليب تراوح بين الترغيب والترهيب، بين الإقناع والإكراه، وذلك لأن اقتناعاتها الإيديولوجية ليست وليدة العقل، بل وليدة الأهواء الطائفية، والمصالح الاقتصادية، والإستيهامات الجماعية. وبذلك تلعب دورا كبيرا في تكريس السيطرة، كما يقول الفيلسوف الألماني هابرماس، وتعميم الأوهام، وتدعيم النظام الإجتماعي.

    موريس أبو ناضر
    جريدة النهار
    20.03.2011

    Leave a Reply