• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    رسائل تظاهرة الأحد

    ما كان معروفا ولا يقال أصبح معروفا ويقال: لم يعد هناك إجماع وطني في لبنان على “سلاح المقاومة”. والسبب بالغ الوضوح، لأن المقاومة أدارت سلاحها الى الداخل فأصبحت أولا عنصر تهديد وترهيب، وصارت ثانيا تستخدمه من أجل تغيير الواقع السياسي. وأيا تكن حججها فانها – واقعيا وعمليا – لم تكن مضطرة الى ذلك، بل كانت ولا تزال مضطرة لضمان استدامة الاجماع من حولها. ها هي قد فقدته من دون أمل في استعادته.

    من الذي تبرع لاسرائيل بهذه الهدية، الذين حولوا وجهة السلاح أم الذين قتلوا بهذا السلاح في الداخل أو تلقوا وطأته وإهاناته؟ هذا جدل عقيم يتأتى خصوصا من ان الفئة التي تحمل هذا السلاح وتتصرف به، وتوابعها الذين يستقوون بسلاحها، يرفضون الاعتراف بحقائق البلد ويستهترون باستقراره ولا يبالون بمستقبل شبابه ولا يحترمون مواطنيهم اللبنانيين مثلهم.

    14 آذار 2005 كان إيذانا بانهاء الوصاية السورية، و14 آذار 2011 بات إيذانا بانهاء وصاية السلاح. المسألة ليست شعارات طنانة وانما استحقاق وطني لا بد منه. هذه هي الرسالة التي أطلقتها تظاهرة الاحد بحشد جماهيري لا يمكن تجاهله، وهي بمعانيها الآتية من أعماق المجتمع رسالة مصاغة بمعايير روح التغيير التي استيقظت في العالم العربي من المحيط الى الخليج.

    لم يكن لـ”حزب الله” ان يلعب هذه اللعبة العبثية في الداخل. فهو يعرف جيدا الحقائق خصوصا تلك التي تعمد ويتعمد تضخيمها وتركيب مؤامرات عليها وإلباسها أثوابا تمكنه من تخوين الآخرين. فمهما بلغت الهواجس لديه لم يكن هناك ما تتعذر معالجته بالتصارح والتحاور في الداخل ومع الداخل. ذاك ان الآخرين يعرفون ارتباطاته الايرانية والسورية، وارتضوا ان يتوافقوا معه، وأن يجلسوا وإياه ويعملوا معه في الاطار الحكومي، لأنهم يحترمون ما أنجزه من أجل البلد ويقدرون تضحياته، ولديهم تقويم ايجابي للقدرات غير العسكرية وحتى العسكرية التي يتمتع بها، بل لديهم قاسم (أو جامع) مشترك هو التربية التي تشربوا معها المشاعر والثوابت ذاتها ضد العدو الاسرائيلي، لكنهم شأنهم شأن كل شعب عربي رفضوا ويرفضون أن يكون الصراع مع هذا العدو والقتال ضده وسيلة أو غطاء لاضطهاد الشعب والتسلط عليه في الداخل.

    الرسالة الثانية التي أطلقتها تظاهرة الاحد هي أن ثمة معارضة سياسية حقيقية كرست ولادتها في لبنان، ربما للمرة الاولى منذ بدايات نظام الوصاية السورية وحتى رحيله الرسمي ومع بدايات عودته غير الرسمية الآن. كان هذا النظام استخدم السلاح ايضا لصنع الوفاقات التي تناسبه وفرض الخلافات والعداوات التي تلائم سياسة “فرّق تسدْ” رغم أنه، هو ايضا، لم يكن مضطرا اليها، لأن اللبنانيين التواقين الى الخروج من حروبهم كانوا سيقدرون لأي جهة خارجية مساعدتها لاعادة الوئام في ما بينهم، فهم يريدون العيش معا، وبالتالي يريدون أن يتبادلوا الغفران والمسامحة وينطلقوا الى تعاهدات جديدة، من دون ان يعني ذلك انهم سينسون اساءات بعضهم الى البعض الآخر. هذه المعارضة كانت في صدد التبلور عام 2005 عشية اغتيال رفيق الحريري، ولعله دفع في ما دفع بموته ثمن اتجاهه للانخراط فيها. بل لعل هذا ما خطر في ذهن سعد الحريري عندما تحدث، بعد “الانقلاب” الذي أقال حكومته، عن السعي الى “اغتياله سياسيا”.

    هذه معارضة سيقول خصومها إنها لا “تخيف” أحدا. بل ان أحد خصومها، من جماعة السلاح، تكرّم بالاعتراف لها بـ”حقها” في أن تعارض، لكنه لم يتورع عن مطالبتها، صدّقوا أو لا تصدقوا، بأن تعارض “حسب الأصول”. أي “أصول” يعني، الارجح أنه لا يعرف، إلا اذا كان يعني ان على المعارضة ان تتسلح… هذه معارضة لا تريد أساسا إخافة أحد، بل تسعى الى اعادة الاعتبار للسياسة، وللتعايش والتواطن السلميين. هكذا كانت قبل ستة أعوام، وهكذا استمرت وهي في الحكم، وهكذا واصلت من خلال جمع كل الاطراف في حكومة وفاقية، وهكذا ستكون وهي خارج الحكم، مثلها مثل الذين ثاروا بعدها في تونس ومصر وليبيا واليمن ولديها الطموح نفسه لأن تنتصر بسلميتها وارادتها وبالاهداف السياسية التي حددتها. بات الصراع الآن على المبادئ والاعراف التي تحترم المواطن ومواطنيته، وعلى اعادة الاعتبار للدستور والدولة والمؤسسات، وهو صراع لا يمكن ان يحسم على طريقة سفاح ليبيا، أو سواه من السفاحين، أي بغلبة السلاح وإخضاع أبناء الشعب.

    الرسالة الثالثة لتظاهرة الاحد عنوانها العدالة. وهي مطروحة، بمعزل عن الانقسام بين 8 و14 آذار، لأنها فرضت نفسها استحقاقا وطنيا. وعندما طرحت غداة الاغتيالات لم يعتقد أحد انها قد تصبح يوما عنصر مساومة: العدالة مقابل السلاح، او العكس. بالنسبة الى اللبناني، عندما كان متاحا له ان يحترم “الأصول”، كانت المعادلة كالآتي: الشعب يريد تحقيق العدالة وصون المقاومة وسلاحها. هذه هي المعادلة الصحيحة للبنان لأن في جناحيها دماء لشهداء ينبغي أن نحترمهم جميعا وأن نعتز بتضحياتهم جميعا وأن نتعظ بموتهم ولا نميز بين شهيد وشهيد، وإلا نقع في الاثم “الوطني” المقيت، كما نحن الآن. فالعدالة تحترمها أو لا تحترمها. اذا احترمتها تكون هي الحامية الضامنة للسلاح المقاوم ضد اسرائيل، وهي المحصنة للداخل أمام كل أنواع الهواجس. اذا لم تحترمها فانك تأخذ البلد والمجتمع والمقاومة الى المجازفة، بل الى المهلكة.

    أما الرسالة الرابعة فهي موجهة الى الحكومة العتيدة التي سيبذل أقصى الجهد لاستيلادها ردا على تظاهرة الأحد. المعارضة الجديدة لن تمنع أي حكومة من العمل طالما انها لا تتمتع بـ”الثلث المعطل”، لكنها وضعت أمامها جملة مبادئ وطنية، ولها أن تحترم مصلحة الوطن او تهتم بمصالح من هبّ ودبّ داخليا واقليميا، ولتتمكن عندئذ من مواجهة اللبنانيين.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    16.03.2011

    Leave a Reply