• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    معنى أن يصرخ نصف اللبنانيين: لا للسلاح خارج الدولة

    بنى سعد الحريري خطاباً من عصب اللبنانيين. وصاغه وفق أبجدية متأججة في صدورهم وقرأه بحماسة تعبر فعلا عن إرادة الناس. على الأقل، أولئك الناس الذين يشكلون نصف اللبنانيين، كما اعترف تعليق الموقع الالكتروني للحزب الاشتراكي مباشرة بعد الاحتفال، بما يشبه حضورا استلحاقيا لوليد جنبلاط الى الساحة التي اختال فيها كثيرون من مؤيديه بين الجموع!

    إذا أضفنا الى الجموع التي فاضت عن “ساحة الحرية” والطرق المؤدية اليها، أولئك الذين هتفت قلوبهم من منازلهم لهذه الذكرى ولهذه المناسبة، يصبح واضحا ومفهوما أن 13 آذار 2011 كان في حجم 14 آذار 2005، بما يعني ان اللبنانيين لم يبرحوا تلك الساحة منذ ستة أعوام، وأنهم عند مطالبهم ومواقفهم منذ ستة أعوام واقفون باصرار على الحرية والحقيقة والدولة القوية التي يريدها كل لبناني كنفا له في اطار من الديموقراطية والمساواة وبعيدا عن طغيان هنا أو إكراه هناك.

    منذ اللحظة التي خلع الحريري رباط عنقه وشمّر عن ساعديه وقال: نريد ان نتنفس… نريد ان نحكي، هبت الجموع من حماسة وكأنها تقول: لقد اختنقنا، نريد فعلا أن تحكوا أنتم، فنحن نحكي. وعندما سألهم: هل تقبلون بوصاية السلاح في يد أحد غير الدولة؟ شقوا حناجرهم طلبا لأن يكون السلاح في يد الدولة.

    طبعا لا حاجة الى المضي في مناقشة خطاب اشتعل بـ”المستحيلات”، حيث عدّد الحريري على “طرق النفَس” كما يقال، الاشياء والأمور والقيم التي يستحيل أن يقبل اللبنانيون أن تُفرض عليهم فرضا بغلبة السلاح كما يكرر دائما. والاشياء والأمور والقيم والشهادات التي يستحيل أن ينساها اللبنانيون، وخصوصا عندما يصل الأمر الى سيادة الدولة وكنف الدولة ودستور الدولة وحصرية السلاح في يد الدولة، وكذلك الى المحكمة الدولية.

    ما حصل أول من أمس الاحد ليس مجرد مرة جديدة تفاجئ فيها الجموع قيادتها والساحات، كما تفاجئ من يعارضها ايضا، بل إنها في عمقها ومدلولاتها تؤكد أن نصف اللبنانيين وما يزيد على النصف بكثير، لا يزالون واقفين في الساحة، مطالبهم فيها، طموحاتهم فيها، اصرارهم فيها وحناجرهم وأعلامهم فيها ايضا. من هنا، ليست القصة قصة أعداد، عشرات الآلاف او مئات الآلاف، القصة هي في ان هؤلاء معتصمون في ساحة الحرية منذ 2005 بلا خيام أو قطع طرقات او تعطيل للبلاد. ولأنهم كذلك، فإنهم فاضوا معنويا في 13 آذار 2011 على ما كانوا عليه في 14 آذار 2005.

    الآن ثمة حاجة ملحة في أكثر من جهة ومكان الى استخلاص كثير من الدروس والعبر، بكثير من الهدوء والموضوعية، من دون أي مكابرة عند 8 آذار، وأي مبالغة عند 14 آذار، وهو ما يدفع الى استعارة السؤال التقليدي الذي يطرحه وليد جنبلاط: ماذا بعد؟

    لا بد من أن يكون “حزب الله” الآن، ويفترض ان يكون، بصدد التأمل عميقا في الشعارات التي ارتفعت قبل مهرجان الأحد وفي خلاله، على قاعدة “اللاءات الثلاث” التي شكلت محور المهرجان الحاشد وحافز الجماهير التي تقاطرت، أي: لا للسلاح خارج كنف الدولة.. ولا لتجاوز الدستور والامساك بالدولة.. ولا لاسقاط المحكمة الدولية.

    يفترض هذا لأنه منذ “هزة” استعمال السلاح في الداخل تحت عنوان “السلاح لحماية السلاح”، وحتى قبل هذا التاريخ، اضافة الى “هزات” أخرى ارتدادية، من برج أبي حيدر الى “القمصان السود”، مرورا بستة أعوام من لغة التهديد والوعيد، على الاقل في التحليلات المعبرة عادة عن رأي الحزب، كل هذا ولَّد “التسونامي” الاعتراضي الصارخ الذي خرج يوم الأحد يهتف بشق الحناجر: لا لغلبة السلاح. لا للسلاح خارج الدولة.

    ليس هذا أمرا عابرا، وهو ليس مجرد تعبير يجاهر به نصف اللبنانيين في مناسبة 13 آذار ثم ينتهي الامر. ولقادة “حزب الله” من الدراية والتنبه ما يدفعهم الآن بالتأكيد الى تذكّر أن ما بناه الحزب على امتداد عشرين عاما حول “هيبة” سلاحه ومشروعية هذا السلاح (رفيق الحريري وسّع هذه المشروعية الى النطاق الدولي في تفاهم نيسان عام 1996)، وقدسية هذا السلاح، وكل هذه المنظومة، انهار في أقل من عشرين يوما على ألسن نصف اللبنانيين وأكثر.

    هذا هو المقصود بـ”التسونامي” في المشاعر الشعبية عند كل هؤلاء اللبنانيين، الذين لا يجوز قط اعتماد الطريقة المعروفة بالمسارعة الى اتهامهم بالعمالة لاسرائيل وما شابه. هذه لغة لم تعد تجوز أو تفيد. لا يفيد ايضا ان يقال إن الحريري استجلب الجماهير بالمال بعدما تمادى إعلام 8 آذار بالحديث عن مصاعبه وتعسره المادي.

    ولأن “حزب الله” اجتهد عشرين عاما لتوفير اجماع اللبنانيين على سلاحه، وهو الوحيد – أي الاجماع – الذي يحمي المقاومة، فليس من السهل عليه الآن ان يستمع الى نصف اللبنانيين يعارضون استمرار هذا السلاح بعيدا عن كنف الدولة، وليس من الحكمة استسهال هذا الامر، وقد بدا هذا الاعتراض واضحا أمام كل اللبنانيين وكل العرب وكل العالم.

    إن وقوف نصف اللبنانيين صائحا “لا” في وجه سلاح “حزب الله” خارج الدولة، تعبير يشكل حدثا عميقا ومهما وخطيرا. ولعل أكثر من يعرف هذا الأمر هو السيد حسن نصرالله الذي طالما فاخر بإجماع الشعب اللبناني على سلاح حزب الله.

    لا يستطيع “حزب الله” المضي في القول على طريقة الجنرال ميشال عون، إن سلاحه يحمي الشعب ويحمي الدولة، وإن الاعتراض على السلاح سيجلب على المعترضين غضب هذا السلاح و”ابقوا في بيوتكم”(!) إن كلاما من هذا النوع دفع الكثيرين للنزول الى “ساحة الحرية”.

    وليس في وسع “حزب الله” الآن ان يقول للعرب وللعالم إن سلاحه يحظى باجماع اللبنانيين، في وقت طغت الجماهير المحتشدة في بيروت اعتراضاً على سلاحه، على كل الحشود الغاضبة في بعض العواصم العربية، مع فارق أساسي هو ان عشرات الآلاف احتشدوا هنا بطريقة حضارية فعلا، هتافات وأعلاما، في حين تسيل الدماء في عواصم أخرى.

    وما حدث يوم الأحد جلل وخطير ليس بسبب الاعتراض الواسع على السلاح خارج الدولة فحسب، بل لأن هذا السلاح الذي قاوم العدو الاسرائيلي واستحق الاجماع والتصفيق ارتد الى الداخل وانغمس في لعبة المحاور والأمم والاستراتيجيات، وليس من المقبول او المعقول، ان يصبح الآن في مواجهة أخطار العدو الاسرائيلي من جهة وارتفاع الرفض اللبناني له من جهة ثانية!

    أخطر من كل هذا أن يبقى الوضع اللبناني على هذه الحال من الانقسام العميق: “حزب الله” وحلفاؤه في 8 آذار في جبل و14 آذار في جبل آخر. وبين الجبلين واد سحيق تضيع فيه معالم الدولة وجسورها، ويحار فيه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي كيف يسير والى أين! والعالم العربي في قبضة بركان من الثورات والتغيير، وليس من يقوم بمد خيط رفيع بين صراخ يقول: لا صوت يعلو فوق صوت سلاح المقاومة وصراخ مواز يقول: لا لسلاح المقاومة خارج الدولة.

    ولا من يفتح نافذة تطل على بداية طريق الدولة الضائعة أو بوابتها المحطمة!

    راجح الخوري
    جريدة النهار
    15.03.2011

    Leave a Reply