• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في نقد 14 آذار

    لا أريد لهذا النقد أن يقع بين أيدي “السلاخين” لحظة وقوع حركة 14آذار في هزيمة أوتراجع أو ضحية انقلاب لم يخل من عنف… فقد سبق لي أن انتقدتها، من موقع التضامن معها، وهي في عز نهوضها، لكنها كانت كسواها من القوى والأحزاب لا تكترث للنقد ولا تصغي إليه. لكن للأمانة، كان ردها على النقد أكثر ليونة من سواها، فالنقد الذاتي الذي تناولنا فيه تجربتنا في الحزب الشيوعي اللبناني انتهى بالتكفير، ونقدنا الشيعية السياسية انتهى بالتخوين! مع ذلك، سنثابر، لعلهم، بعد الذي حصل في مصر وتونس، يسمعون.

    قيادات 14آذار قرأت أخطاءها قراءة مغلوطة، فما حسبته سبب الهزيمة لم يكن هو السبب، بل هو النتيجة الناجمة عن خطيئة أصلية ارتكبتها بحق الدولة، على كثرة الشعارات وصدق النيات. فالسؤال الحقيقي هو، كيف يعاد بناء الدولة، ومن أين تكون البداية، وما هي خريطة الطريق، وهل هناك خريطة طريق؟

    قوى 14 آذار، حين وصولها إلى السلطة، لم تكن تملك برنامجا سياسيا ولا خطة عمل لإعادة بناء الدولة التي خربها النظام الأمني اللبناني السوري. فاقتصر برنامجها على ردود فعل، صاخبة أحيانا وهادئة أحيانا،على سلوك خصومها. ربما يكون قد فاجأها الانسحاب إلى ما وراء الحدود اللبنانية، وظلت تتصرف وكأن سوريا لم تخرج. فأخطأت في عدم رؤيتها الفارق الجوهري الكبير جدا بين الوجود السوري والنفوذ السوري.

    خلطها بين الوجود والنفوذ جعلها تتعامل مع قوى الثامن من آذار بصفتهم “عملاء” لسوريا ولإيران. بدورها لم تقصرهذه القوى في تقديم أبلغ المبررات والمسوغات والذرائع لهذه التهمة، بدأتها من الذروة في تظاهرة شهيرة حملت إسمها، ولم يكن لشعار “الوفاء لسوريا” الذي رفع فيها، سوى معنى واحد، هو إهانة مشاعر اللبنانيين.

    كان ينبغي على قوى 14 آذار أن تدرك هذا الفارق بين الوجود والنفوذ لترسم خريطة طريق واضحة لاستلام السلطة، عنوانها إعادة بناء الوحدة الوطنية التي هي الأساس في إعادة بناء الدولة، وفي إعادة بناء الوطن. غير أن تظاهرتي آذار عمقتا شق الوحدة الوطنية، فطغى الاهتمام بالعوامل الخارجية وبمعالجتها، حتى بات اللبنانيون كلهم، بحسب اللغة المعتمدة في الصراع،عملاء للخارج، بعضهم لسوريا وإيران والآخرون لأميركا وإسرائيل والغرب. واستدرجت 14 آذار إلى تصعيد داخلي بلغ ذروته في إحدى مناسباتها السنوية، ثم استدرجت، بعد حرب 2006، إلى تراجع دراماتيكي، وركزت اهتمامها على معالجة المخاوف من سلاح “حزب الله” وطالبت بنزعه، كأنها بذلك كانت تشارك في التحضير لانفجار داخلي بدل التحضير لانصهار داخلي.

    كان ينبغي أن تجسد 14 آذر شعار السيادة، وهو أحد الشعارات الثلاثة التي حملتها، إضافة إلى الحرية والاستقلال. غير أن سلوكها السياسي كان يتناقض مع حرصها المعلن على السيادة. السيادة تعني سيادة القانون وسيادة الدولة وسيادة القرار الداخلي. فبغير الدولة والقانون ماذا يكون معنى السيادة؟ إن سلوك قوى 14آذار مضى في عكس هذا الاتجاه تماما، ذلك أن اهتمامها لم يكن منصبا على إقامة الوحدة الوطنية اللبنانية التي قوضتها الوصاية السورية، بل أنصب على مكاسب سياسية آنية تمثلت بانتصار انتخابي لا بانتصار سياسي، فعقدت، منذ اللحظة الأولى، مساومة مع أنصار سوريا دون سواهم، وعلى حساب سواهم، وتقزم ثمن استشهاد الحريري، وتحول الدفاع عن السيادة إلى سعي وراء السلطة، اعتقادا منهم أن الوصول إلى السلطة هو السبيل إلى تحرير البلاد من الوصاية.

    تلك التطورات شوهت معنى تداول السلطة، وحولت الانتخابات إلى نوع من الديكور الشكلي الذي لا يقدم ولا يؤخر في مجرى الصراع السياسي القائم في البلاد.هذا الخطأ الفادح أسس لمفهوم خاطئ عن الدولة، ومكن قوى الثامن من آذار، بالتالي، من توظيف ذلك في تعميم سلوك سياسي يؤسس لدولة الميليشيات لا لدولة القانون، وراحت الدولة المأمولة تتحول إلى دويلات محكومة بمنطق الزعران والقبضايات والتشبيح، واستؤنف تغييب معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص، على نطاق أوسع من الذي ساد أيام الوصاية الخ.هذا الخطر غير الملحوظ انعكست نتائجه على طريقة تشكيل الحكومات وعلى إدارات الدولة كلها وعلى مؤسساتها، فتفاقمت مظاهر انحطاطها وغيابها لمصلحة دويلات ومزارع.

    غياب مشروع الدولة عن برنامج 14 آذار أدى إلى ارتباك في مواقفها من كل القضايا : السلاح في الداخل، العلاقات مع الخارج، المحكمة الدولية، الانتخابات النيابية، وأدى ارتباكها هذا إلى تكبدها خسائر فادحة. وبعد أن بدأت كحركة تضم وتمثل أكثر من نصف الشعب اللبناني، انحسرت وتقلصت وخسرت كثيرا من مكوناتها الأولى.

    تعاملت مع قضية سلاح “حزب الله” برعونة وبغير واقعية. لنقم بهذا التمرين النظري :هذا السلاح لا يمكن نزعه، إلا طوعا، عندما يقتنع “حزب الله” بذلك، أو بالقوة، من طريق طرف من قياس إسرائيل أو سوريا يستطيع تنفيذ هذه المهمة، أو بعد زج السلاح في حرب داخلية مع طرف آخر يتغالبان فيها حتى يتعبا، تماما كما حصل في الحرب الأهلية اللبنانية أو الحرب المارونية – المارونية أو الحرب الشيعية – الشيعية. باستثناء الخيار الأول، كل الخيارات الأخرى مكروهة وعلى الشعب اللبناني أن يستنفر في وجهها درءا لأية حرب أهلية، وتفاديا لأي تدخل خارجي صديقا كان أو عدوا، وقد آن الأوان أن يتعلم الشعب اللبناني من تجربته المريرة أن التدخل الخارجي هو مصدر الخطر وهو مصدر كل سلاح غير شرعي، وأن كل تدخل خارجي،أيا يكن لونه وأصله وفصله، لن يعمل إلا لما فيه مصلحته هو، لا لمصلحة من يستدرجه من القوى اللبنانية.

    كيف كان على 14 آذار أن تتعامل مع السلاح في ظل هذه المحظورات والاستحالات؟ كان عليها أن تنظر إليه كجزء من معادلة خارجية ليس تعديلها شأنا لبنانيا. وكان ينبغي ألا تبدأ خطتها بالمطالبة بنزع السلاح، لأنه مطلب مستحيل في ظل غياب أدوات نزعه أوعدم قناعة “حزب الله” بنزعه، بل أن تبدأ من حماية الوحدة الوطنية التي تجسدت حول التحرير والمقاومة ومحاصرة احتمالات استخدام سلاحها في الداخل، على أن يتم تنظيم الاشتباك الداخلي في النقطة السياسية التي تمثل الخطر على الدولة والوطن في مشروع حزب الله، أي من اعتبارهذا الحزب قوة داخلية خطرها كامن في مشروعها لا في علاقتها بالخارج. هل كان ذلك ممكنا؟ نعم، كان من الممكن أن تحمى المقاومة بإجماع وطني كالذي حماها بعد سنة 1996 وفي عام 2000، وكان يمكن، بقليل من المرونة والمهارة، كشف المستور في مناورة “حزب الله” الذي يموه مشروعه الفئوي بقضية سامية ويتستر بمقاومة العدو الصهيوني لإلغاء مؤسسات الدولة، ولبناء دولة له على أنقاضها.

    الخطأ ذاته تكرر في قضية العلاقة بسوريا. السلطة اللبنانية الناشئة المعادية لسوريا كانت مكوناتها، مع مكونات 8 آذار طبعا، جزءا من سلطة الوصاية، وبالتالي بدا الانقلاب على عهد الوصاية غير مفهوم إلا بالمعنى الثأري، نتيجة تراكم أخطاء سورية لا تحصى ولا تعد، لا في حق من طالهم الاغتيال قبل الحريري وبعده، بل في حق الوطن كله. لكنها ليست مسؤولية سورية فحسب، بل هي، قبل ذلك، مسؤولية لبنانية أيضا. فالتدخل السوري حصل بإجماع لبناني (الجبهة اللبنانية والتجمع الإسلامي) ثم تكرس بموافقة عربية، ولم تخرج علاقة الرئيس رفيق الحريري عن مألوف هذا الإجماع، بل ربما تجاوزته إلى ابتكار صيغ مبتكرة، من بينها ما تحصل لسلطة الوصاية السورية، ثم لأجهزتها اللبنانية وأتباعها من مصادر تمويل، بعضها من مال الحريري وبعضها الآخر من المال العام، الخ. الوجه الأول من هذا الخطر هو أن استدراج سوريا ثم تكريس نفوذها، وكذلك استدراج سواها، هو أقصر الطرق لإلغاء الدولة. أما الوجه الثاني فهو أن تصحيح العلاقة لا يحتاج فحسب إلى خروج سوريا من لبنان ومعاقبتها، بل إلى عدم استدراجها أو سواها مرة أخرى. وهو يحتاج، من باب أولى، إلى مراجعة نقدية لبنانية تقوم بها جميع القوى السياسية المصطفة على جبهتي آذار.

    أما الوجه الثالث، وهو الأخطر في هذه القضية، فهو أن قوى 14 آذار راحت تستعين على سوريا بالقوى الخارجية، بدل أن تسعى إلى تحصين وحدتها الداخلية. أول ما قامت به قوى 14 آذار هو طلب المساعدة والدعم من المجموعة الأوروبية ومن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية التي كانت مرتبكة حيال سوريا بين رغبتها ورغبة حلفائها في لبنان بإحداث تغيير جذري في بنية النظام السوري وحرص إسرائيل على عدم المساس بالنظام السوري، خوفا من فزاعة البديل الأسوأ.

    اللجوء إلى مساعدات خارجية دولية وعربية للاستقواء على سوريا هو الوجه المقلوب لسياسة الالتحاق. لا الالتحاق ولا العداء بل علاقات متوازنة ندية بين بلدين شقيقين مستقلين. ماذا كان على 14 آذار أن تفعل؟ كان عليها أن تعول على حصانة اللبنانيين الوحيدة في وحدة وطنية تسعى إليها، لا على الموقف الأميركي الذي قد ينسق اليوم مع سوريا أو قد يواجهها غدا،لكنه في كل الأحوال لا يأخذ في الاعتبار إلا المصالح الأميركية أولا ثم الاسرائيلية. ألم يحصل الدخول السوري في بداية الحرب الأهلية بمباركة أميركية؟ أليست أميركا هي التي أعطت سوريا الوكالة الحصرية في إدارة الشأن اللبناني مكافأة لها على المشاركة في حرب الخليج؟ كان ينبغي التفكير بتنازلات متبادلة بين اللبنانيين (كأن يعطى ميشال عون حصة أكبر في الانتخابات لا أن نسخر من قوته التسونامية، طلب سبعة مقاعد وعرض عليه اثنان فقط ثم كسب 23) وذلك تأمينا لحد أدنى من الوحدة الوطنية التي من دونها لا تبنى دولة ولا يقوم وطن.

    السيادة الوطنية تعني سيادة الدولة على حدود الوطن وسيادة القانون داخل الحدود. في ظل حكم الميليشيات صار لكل زعيم قانون وانتفت السيادة من غير احتلال ولا وصاية. فقد فرط سياسيو لبنان، ومنهم سياسيو 14 آذار، بسيادة الدولة حين تحاصصوا الوطن، بطوائفه ومناطقه وثرواته وإداراته الرسمية وضرائبه وموارده ومغتربيه ووزارته ومجلسه النيابي. المحاصصة هذه تمت باسم الطوائف وتعممت على كل شيء لكن المستفيدين منها بضعة سياسيين فحسب، وحولهم دوائر تتسع أو تضيق من الأزلام والمحاسيب والأتباع والمصفقين وماسحي الجوخ والانتهازيين وأكلة الجبنة. أما الجمهور العريض فهو وقود مطحنة المحاصصة هذه التي تصنع ممثلي الشعب(قصقص ورق ساويهم ناس) وتلغي الانتخابات وتعطل الديموقراطية…

    الوجه الرابع والأخطر في تلك الخطيئة الأصلية هو اعتقاد 14 آذار ان النظام السياسي لم يكن يشكو إلا من سوء إدارته، لذلك كان يكفي في نظرها تبديل إدارة نظام الوصاية فتستقيم الأمور. هذا هو المأزق في حركة 14 آذار التي جسدت رغبة الشعب اللبناني في إحداث تغييرات ذات طابع ديموقراطي في النظام السياسي، بينما اكتفت قيادتها بتبديل إدارة النظام، بما يشبه الانقلاب العسكري والبيان رقم واحد. كان مفاجئا إذن أن ينحصر التنافس والاتفاق بين الآذاريين على الإمساك بالسلطة لإفراغها من كل المضامين الديموقراطية المتوافرة في النظام اللبناني، من بينها تداول السلطة بين مختلفين على برامج التطوير والتنمية، لكن لم يكن مفاجئا، بالتالي، أن تنحدر الحياة السياسية إلى قعرها المذهبي على جبهتي آذار، وأن تكون 14 آذار أكثر صراحة و8 آذار أكثر مواربة في تمسكهما بنظام التمثيل السياسي الذي يكرس ديمومة المحاصصة واحتكار التمثيل، وهذا يعني من بين ما يعنيه تنافسا على الشحن الغرائزي و قمعا لأي تداول للسلطة داخل الطوائف أو على الصعيد الوطني. هذا هو معنى الارتباك حين المقارنة بين “ثورة” 14 آذار السباقة حقا ومثيلتيها في مصر وتونس. ماذا يبقى من الديموقراطية إذا ألغي تداول السلطة؟ وبماذا يختلف طائفي عن طائفي ومستبد عن مستبد ومحتكر للسلطة هنا عن مثيله هناك؟ ما كان يمكن فعله هو استلهام مواقف كمال جنبلاط ورفيق الحريري من مسألة قانون الانتخاب، اللذين أكدا على أن السبيل الوحيد إلى تأمين الانصهار الوطني والوحدة الوطنية اللبنانية هو في سن قانون للانتخابات يقوم على النسبية ويعتمد لبنان دائرة واحدة.أما المتخوفون من طغيان الأكثريات إذا ما أقر مثل هذا القانون، فمشاريع القوانين الكفيلة بتبديد مخاوفهم، وبتأمين الانصهار الوطني والتمثيل الصحيح الذي يطور دور النائب من معقب معاملات يعينه المتنفذ في الطائفة أو في أجهزة الأمن إلى نائب يختاره الشعب اللبناني و”يمثل الأمة” ويقوم بواجب التشريع ومراقبة الحكومة ومحاسبتها، أكثر من أن تعد. يكفي أن يعطوا إشارتهم بالموافقة على المبدأ. من هنا تبدأ مسيرة إنقاذ الوطن.

    محمد علي مقلد
    جريدة النهار
    13.03.2011

    Leave a Reply