• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كي لا تُغتال الثـورة

    أمتي كم صنم مجدته       لم يكن يحمل طهر الصنم

    عمر أبو ريشة

    …وها قد استفاقت الشعوب العربية من سباتها العميق، واكتشفت سراً عظيماً. لقد اكتشفت انها قادرة على تحطيم الخوف الذي يقبض عليها. الخوف من الطاغية. هذا الخوف الذي يجعلك ميتاً، وأنت حي. وها قد اكتشفت أيضاً ما هو أهم، وهو ان صناعة المستقبل هي مسؤوليتها، وانها تمتلك القدرة على تحمل هذه المسؤولية. كما ادركت أيضاً ان المستقبل ليس قدراً؛ بل القدر هو مسؤولية الشعب وصنعه. هذا الشعب الذي يستمد شرعيته وقوته من الأرض.

    عندما جاء جمال عبد الناصر الى الحكم في مصر، أوائل الخمسينات، أصدر كتاباً بعنوان “معنى الثورة”. لم يكتب عبد الناصر بنفسه هذا الكتاب، بل كتبه له محمد حسنين هيكل. ويبقى هذا الكتاب نموذجاً حياً للتراث السياسي الثوري العربي المعاصر الذي يؤمن بالشعارات البطولية الخيالية، والكلام الذي يعني كل شيء ، ولا يعني شيئاً على الاطلاق. وضلَّت “الثورة” الطريق، ورجعت مصر الى الوراء. هذا لأن عبد الناصر و”ضباطه الأحرار” لم يقوموا بثورة، بل قاموا بانقلاب عسكري، وهناك فارق شاسع بين الانقلاب العسكري والثورة. ومنذ ذلك الانقلاب في مصر زحفت الانقلابات العسكرية في العالم العربي. من مصر الى افريقيا العربية الى بلاد الرافدين،الى سوريا. عسكر يتسلقون على الدبابات ومنها الى الحكم. عسكر ملأوا هذا الشرق بالضجيج والكلام. ملأوا هذا الشرق بشعارات فارغة. ملأوا هذا الشرق بايديولوجيات ديكتاتورية. إيديولوجيات عملت على تأليه الزعيم وتهميش المواطن، على تمجيد الحاكم وقهر المحكوم، على اعلاء شأن الحكَّام و”تسطيح” الشعوب. ستون سنة، ومعظم مدن وصحارى هذا الشرق في قبضة العسكر. ستون سنة حولوا فيها هؤلاء العسكر هذا الشرق سجناً كبيراً.

    وفجأة تزلزت الارض وقام الغضب من ركامه، وثار “نزلاء السجن” فخلعوا الابواب، وخرجوا الى الشمس. وهكذا ابتدأت ثورة حقيقية أولى في تاريخ العرب الحديث. هذه الثورة هي الثورة الأولى بالمعنى الحقيقي للثورة لأنها ثورة الشعب ، ثورة الناس العاديين، ثورة كل الناس ضد الطاغية. كانت الثورات العربية من قبلها ثورات العسكر لا ثورات الشعوب. هذه هي المرة الاولى التي لا تهدف الثورة فيها الى الاستيلاء على الحكم. وهي المرة الاولى ايضا التي لا تحمل فيها الثورة ايديولوجيات سياسية او دينية. فهي ليست “لتحرير فلسطين” وليست لضخ الحياة في العروبة، وليست من اجل “اشتراكية تقدمية”. كما انها ليست من أجل إله ما أو دين ما. وهي لم ترفع الشعارات التي سئمناها: “الموت لاسرائيل واميركا” و”لا صوت فوق صوت المعركة”. انها ثورة حضارية سلمية تهدف الى ما هو أهم من كل ذلك وهو تحرير الانسان العربي. تحريره من الخوف، تحريره من اليأس، تحريره من الظلم، وتحريره من الطاغية. ونعم، هناك صوت فوق صوت المعركة، انه صوت الانسان. وهذه هي المرة الاولى التي لا تطلب الثورة فيها شيئاً لنفسها بل تطلب ان تبني نظاماً سياسياً اجتماعياً جديداً، يؤمن الحرية والديموقراطية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان لكل المواطنين. وها قد ادركت الشعوب العربية فجأة ان عدوها الاول والاساسي ليس اسرائيل بقدر ما هو النظام السياسي العربي الذي كبل العقل وقتل الحرية وسجن الإنسان. هذه المرة الاولى في تاريخ هذا الشرق يكون محور الثورة الانسان. هذه المرة الأولى ندرك فيها انها ليست فلسطين وحدها محتلة ولكن الشعوب العربية كلها تحت الاحتلال. ها قد جاء وقت التحرير. ها قد قام المارد من موته وخرج من قبره.

    وكي لا “نفلح في البحر” وكي لا تنطفئ شعلة الثورة المتنقلة من وطن عربي الى آخر، يجب ان نعي ان اطاحة الطاغية لا تعني بالضرورة الوصول الى الحرية والديموقراطية. هناك مسافة شاسعة بين اسقاط النظام واحلال نظام جديد. من الثورة الى الحرية طريق طويل وهناك على الطريق من يتربص لاغتيال الثورة ودفنها. وهناك على الطريق كثير من التحديات. سنركز على ثلاثة منها:

    التحدي الاول، هو الفوضى. فالفوضى قد تقود الى حروب اهلية وحروب عبثية، وتضل فيها الثورة الطريق الى اهدافها. ولكي لا نقع في الفوضى تحتاج الثورة الى فرز قيادة شجاعة وحكيمة وحضارية. من دون قيادة لا تصل الشعوب الى مكان. قائد واحد في إمارة دبي اخذ الصحراء وجعلها جنة. وقيادات طائفية سياسية متخلفة في لبنان اخذت “الجنَّة” فيه وحولتها “صحراء”. والقيادة الشجاعة والحكيمة لا تكون من دون تنظيم سياسي واجتماعي. فالقيادة والتنظيم هما القوة لإنجاح الثورة والوصول بها الى اهدافها.

    والتحدي الثاني الذي نخافه ويخافه العالم كله، هو ان تنتهز الاصولية الدينية المتمثلة في هذا الشرق العربي بالايديولوجيات الاسلامية المتطرفة الفرصة والفوضى لتخطف الثورة . فهناك خوف من ان تتحول الثورة في البحرين حكم الاصولية الشيعية. وها قد ارتفعت في اليمن اصوات تنادي بجمهورية اسلامية. وهناك خوف حقيقي في مصر من نفوذ الاخوان المسلمين وقوتهم. ان محور الثورة ليس الاسلام بل الانسان. وها قد امتزجت دماء المسيحيين مع دماء المسلمين في الشوارع. كلهم ثاروا. مسيحيون ومسلمون. كلهم رفعوا شعارات واحدة: الحرية والكرامة والديموقراطية. وكم هو مهم ان نفصل بين الدين والثورة حتى تبقى الثورة للشعوب ويبقى الدين لله.

    والتحدي الثالث هو عودة العسكر. قد يستغل العسكر الفوضى للعودة الى السلطة بحجة فرض النظام والاستقرار. فالعسكري قد يعي اهمية الاستقرار والسلام لكنه، على رغم احترامنا لما يقوم به من مهمة اساسية لحفظ الامن للمواطن، قد لا يعي ما هو أهم من الاستقرار، ألا وهو عظمة الانسان الفرد واهمية العقل والابداع وقوة الحرية. نحن نطلب من الثوار ان يرفعوا شعاراً كبيراً “لا عودة للعسكر”.

    بين الثورة والحرية طريق طويل. سيسقط الكثيرون وسيموت الكثيرون. ولكن هل هناك خيار آخر للثورة غير المضي الى الامام؟ ونتوجه الى النخب العربية ونقول لها: لقد دقت ساعة الحقيقة. في الماضي وفي الحاضر كان عتبنا عليكم كبيراً. اذ ان السواد الاعظم منكم إمّا لاذ بالصمت وإما تملّق للطاغية. ان الكثيرين منكم بدل ان يلتزموا قضايا شعوبهم التزموا مصالحهم الشخصية الآنية. وهنا لا بد لنا من ان ننحني اجلالا واحتراما امام القلة من هذه النخب الذين فضلوا السجون على الركوع للطاغية والقبول بالذل.

    هذه الثورة هي ثورتنا. هذه هي فرصتنا التاريخية. ويل لنا اذا قتلناها بجهلنا، وويل لنا ان اغتالوها. ان تحرير الانسان الفرد هو اكبر قضية في هذا الشرق. وتحرير الانسان هو الخطوة الاولى في الطريق الى الحرية، والحرية هي الطريق للابداع، والابداع هو الطريق للحضارة، والحضارة هي التي ستعود بنا ثانية الى التاريخ. من زمان كان العرب في التاريخ ثم خرجوا منه لقرون عدة وها هم اليوم يعودون اليه.

    حتى الأمس القريب كان مفكرون في الغرب يعتقدون ان الاسلام هو العقبة لدخول العرب التاريخ مرة ثانية. وهل يا تُرى، أدركوا بعد ان رأوا ما رأوا، وبعد ان مات من مات في سبيل الحرية، انهم كانوا على خطأ كبير؟

    فيليب سالم
    جريدة النهار
    11.03.2011

    Leave a Reply