• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أسباب تصدّع الميثاق وتراجع دولة المؤسسات

    Bassem al-Jisr is the former head of the Institute of the Arab World in Paris, one of the leading Arab cultural centers in the world. In 2001, he co-founded the Democratic Renewal Movement and served as its Vice-President until 2005.

    لكل حزب – كي لا نقول لكل لبناني – وجهة نظره الخاصة في تحديد الاسباب والمسببين، في ما وصل اليه لبنان، وطنيا وسياسيا واجتماعيا، من تفكك اوانقسام، ومن تراجع دوره الاقتصادي والثقافي في المنطقة. ولكننا نستطيع حصرها تحت خمسة اوستة عناوين كبرى، هي: 1- نشوء اسرائيل وتداعيات هذا الحدث على لبنان وعلى المنطقة العربية كلها وعلى علاقتها بالغرب. 2- التيارات العقائدية القومية والثورية، والانقلابات العسكرية، التي عصفت بالدول العربية وتسربت رياحها وتنازعاتها الى داخل لبنان. 3- النظام السياسي الطائفي اللبناني الذي أخّر بل عطل، قيام دولة المؤسسات الحديثة ونشوء المواطنية اللبنانية 4- النظام الاقتصادي الحر الذي جلب الازدهار على حساب العدالة الاجتماعية والانماء المتوازن. 5 – الزعماء والسياسيون الذين تعاقبوا على حكم لبنان، بعد الاستقلال، وحولوه، في معظمهم، الى مزرعة توزع خيراتها على اخصائهم من “كبار الناخبين”وممولي الانتخابات.

    ويضيف البعض الى لائحة الاسباب، “الشعب” او بالاحرى، “الشعوب الطائفية” في لبنان، التي كانت تحمل الى المجلس والحكم، الزعماء والسياسيين انفسهم، الذين تشكو من تقاعسهم، مدفوعة بعواطفها المستثارة، او ولاءاتها العائلية والقبلية، كي لا نقول غرائزها – بدلا من تحكيم عقلها ووطنيتها.

    واقعيا، كل هذه الاسباب، متشاركة ومتشابكة، هي المسؤولة عن إبقاء لبنان معلقا، كما هو اليوم، فوق هاوية مصيرية. وان كان من الصعب تحديد “حصة” كل عنوان فيها، لكن ليس من الصعب تحديد “دور” هذه الحصة وتداعياته السلبية.

    فقيام اسرائيل حمل الى لبنان اللاجئين الفلسطينيين الذين ستنطلق منهم المقاومة الفلسطينية، في الستينات، وتتحول، بعد هزيمة 1967، والتفاف المسلمين واليسار اللبناني والعربي حولها، الى مشكلة سياسية فوطنية، فسبب مباشر لإنقسام سياسي ووطني حاد بين اللبنانيين، قبل ان تتفجر حربا اهلية في لبنان، ما زالت ذيولها ممتدة الى يومنا هذا. ولا ننسى ان اسرائيل غزت لبنان واحتلت اقساما كبيرة منه، اكثر من مرة، وان مقاومة احتلالها، مهدت الطريق امام نشوء “حزب الله”، الطائفي القاعدة، الذي بات اليوم المشكلة السياسية الكبرى في لبنان. وطالما ان الصراع العربي – الاسرائيلي قائم، فان لبنان، لن يعرف الاستقرار الوطني والسياسي الحقيقي، بل سيظل (نظرا الى حرياته وتعدديته الطائفية والمذهبية)، الساحة المفضلة للدول والحركات العقائدية في العالمين العربي والاسلامي، المقاومة للكيان القومي – الديني الاسرائيلي.

    من هنا يمكن القول إن قيام اسرائيل على حدود لبنان والصراع العربي – الاسرائيلي، كانا سببين مهمين، ان لم نقل الأكثر اهمية، في الانقسام الوطني والطائفي في لبنان، بعد الاستقلال، وفي شل ايدي الدولة اللبنانية، واغراقها في لعبة اقليمية ودولية تتعدى طاقاتها. بل في نشوب الحرب الاهلية اللبنانية ودخول لبنان في دوامة النزاعات الاقليمية، التي لم يخرج منها، بعد.

    ولكن فوق الخطر او التحدي او العدوان الاسرائيلي، كان للتحولات السياسية الكبيرة في العالم العربي ومنطقة الشرق الاوسط، دور ضاغط ومؤثر بشكل او بآخر على الواقع السياسي اللبناني، ميثاقا ودستورا وحكما.

    فالانقلابات العسكرية في سوريا ومصر والعراق واليمن والسودان وليبيا والجزائر، حملت الى الحكم طبقة جديدة، غير تلك التي كانت قائمة في الاربعينات، والتي كانت بورجوازية وطنية منفتحة على الغرب، رغم نضالها ضده من اجل الاستقلال. وصادف وصول هذه الطبقة العسكرية – البورجوازية الصغيرة، القومية العقيدة والاشتراكية الهوى، احتدام الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فوجد لبنان نفسه، تحت تأثير هذا الواقع العربي الجديد والنزاع الدولي، في الخمسينات خصوصا، عرضة لتصدع ميثاق 1943، وانقسام وطني وطائفي، (قومي – عربي – مسلم / لبناني – غربي – مسيحي)، تجلى في عام 1956، بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتفاقم ليصل الى ما سمي بثورة 1958.

    وكانت تلك الضربة الاولى المصدعة للميثاق الوطني، الذي اعتقد واضعوه انه يوفق بين الكيانية الوطنية اللبنانية والانتماء العربي. ورغم وصول فؤاد شهاب الى الرئاسة ووضعه سياسة خارجية وعربية متوازنة وواقعية وسياسة داخلية هدفها تدعيم الوحدة الوطنية والميثاق، وتقوم على بناء دولة المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية، فان صدع 1958 لم يلتئم. بل استمر محورا للانقسام الوطني والتحالفات السياسية. الى ان التقى بعامل جديد، في الستينات، وهو تمركز المقاومة الفلسطينية في لبنان، وتحالف اليسار اللبناني معها، واصطدامهما بالدولة وبالحلف السياسي المسيحي، في نهاية الستينات. وهو اصطدام سوف يدفع بالبلاد الى الحرب الاهلية عام 1975.

    اما العنوان الثالث، في اسباب الاهتراء الوطني والسياسي في لبنان، فهو، ولا ريب، النظام السياسي الطائفي، الذي تمنى واضعو ميثاق 1943، تجاوزه، وعمل الرئيس فؤاد شهاب جديا على استبداله بنظام وطني مؤسسي وعدالي اجتماعي، ولم ينجحوا الا قليلا. فهذا النظام الطائفي الذي ورثه العهد الاستقلالي عن عهد الانتداب، الذي ورثه عن عهد المتصرفية، الذي ورثه عن نظام القائمقاميتين، ونظام”الملل”العثماني، كان العقبة الرئيسية في وجه نشوء احزاب وطنية ديموقراطية وتبلور وطنية واحدة، بل “مواطنية لبنانية”. وكلما كان الحكام يجتهدون في تطبيق النظام الطائفي، تطبيقا “عادلا”، للتخلص من المزايدات الطائفية، كلما كان هذا النظام الطائفي يمتد ويترسخ، ويولّد مرجعيات طائفية ومذهبية متنافسة، بل متناحرة. وباتت كل طائفة تتمسك بـ”حقوقها” لا في المناصب الحكومية والادارية العليا والمجلس النيابي والحكومات، فحسب، بل على مستوى اساتذة التعليم ومجالس ادارة المؤسسات العامة والشركات الخاصة. وفي غالب الاحيان، على حساب الكفاءة والجدارة. وبين “ارضاء”الطوائف – او بالاحرى زعماء ومرجعيات الطوائف الدينية – وبناء دولة المؤسسات الحديثة، وتعزيز الشعور بالوطنية والمواطنية، كان الخيار – لسوء الحظ – الإرضاء. ولم يكتمل مشروع فؤاد شهاب لبناء دولة المؤسسات، والوحدة الوطنية المرتكزة الى العدالة الاجتماعية.

    اما السبب الرابع فكان النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي الذي لم يكن للبنان خيار غيره، نظرا لإفتقاره الى ثروات طبيعية. فازدهار الاقتصاد اللبناني تحقق، بعد الاستقلال، على حساب العدالة الاجتماعية والانماء الدائم المتوازن. وعندما استحضر الرئيس فؤاد شهاب بعثة “ايرفد” وكشفت في تقريرها عن الفرق الشاسع بين المناطق اللبنانية، وانحصار الثروة في يد 4% من اللبنانيين، لم يَرُق هذا التقرير المستفيدين الكبار من هذا الواقع، واتهموا فؤاد شهاب والاب لوبريه بالاشتراكية. وبديهي انه لو كان ابناء الجنوب والهرمل وعكار والمنية وباب التبانة في طرابلس، افضل حالا، اواقرب من مستوى العاصمة وبعض الجبل، اقتصاديا واجتماعيا، لما تسربت الى عقولهم ونفوسهم، افكار الرفض والثورية والتطرف الديني والتعصب المذهبي، ونزعات السلبية. ولما اتخذت الاحزاب العقائدية منهم حقولا لبث دعواتها المهشمة للكيان اللبناني، وللنظام النيو – ديموقراطي اللبناني.

    اما مسؤولية السياسيين و”الشعوب الطائفية” اللبنانية في التفكك الوطني والاهتراء السياسي وفشل النظام الديموقراطي البرلماني، فلا تحتاج الى كثير من الشرح والتحليل. فاللبنانيون – باستثناء قلة من المثقفين والمواطنين الواعين الاحرار – انساقوا عاطفيا وغرائزيا، وراء الزعماء والسياسيين الذين “يحكّون لهم على الجرح” الطائفي. فكانوا يقترعون في الانتخابات بعواطفهم، لا لبرامج سياسية واقتصادية واضحة، او لأشخاص، او نكاية باشخاص آخرين، او مندفعين في تيارات طائفية او مذهبية، مفتعلة خصيصا لكسب الانتخابات. ان المسؤولية هنا موزعة بين الزعماء السياسيين والمواطنين (او بالاحرى الشعوب الطائفية في لبنان). فلو”حاسب” الناخبون المرشحين للزعامة والنيابة والحكم، كما يجب ان يحاسبوا، بل لو حوكم وعوقب الموظفون الفاسدون، لربما كانت واجهة الحكم والسياسة والادارة العامة، في لبنان، انقى وافضل، لا نوعية وفاعلية، فحسب، بل وطنية، ايضا.

    باسم الجسر
    جريدة النهار
    09.09.2008

    Leave a Reply