• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ثورة الجيل الجديد: تراجع مخاطر الصراع الديني والتفتيت المذهبي

    ليس بالضرورة ان تكون كل دواعي الانفجار الشعبي المدوي من المحيط الى الخليج، دواعي مباشرة فقط بحدود الجواب على القهر بأشكاله الراهنة والمختلفة. ان الذي نشهده يرقى في عمقه، وحجمه ومردوده الى اسباب وابعاد تكاد تكون مكتملة وشاملة. ان ما يجري حاسم اذا ما قيس بحجم الاندفاع، ومتجاوز لكل ما هو مقدّر. انه كفيل بإزاحة ليس فقط طبقات من التردي بل ابراج من السوء، ويحمل قوة المحظور في وجه الارتداد. انه بالغ الاهمية والعمق لانه يستجيب الى حاجة الوعي العربي لتجاوز تقرُّحاته نحو آفاق طال انتظارها.

    نحن نعيش في مجتمعات متشابهة، غير ان التشابه في ما بينها لا يرقى الى التجانس الذي يولِّد مصيراً مشتركاً بدون عوامل حيوية، مجتمعة، سياسية وتاريخية. إن ما يحصل اليوم في بعده النفسي هو ونتيجة أولى لدوي الانفجار المرشح ان يتواصل ليغطي حقبة كاملة. انه وليد عقود بل قرون من الانكسار العربي، وصلت شظاياه الى كل مجموعة، واستوطنت هذه الشظايا روح الافراد في العقود الاربعة الماضية، وانتجت عقدهم ونظرتهم الى الحياة الخاصة والعامة.

    ان فكرة الامل عند الافراد والجماعات هي اساس الرغبة في عظمة الحياة وسعادتها، وترقى بهذا المعنى الى مرتبة الخالق الواجب الوجود بصرف النظر عن الاثبات والضرورة. والعامل النفسي هو محطة الانطلاق وقوة الدفع قبل غيره من العوامل، يتجلى جرأةً واقداماً وسرعة في إشعال الانتفاضات. هو متصل بالانكسار والفرج معاً كجواب عن رفض مشروع الموت المتواصل للحياة العربية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة وفي الاخلاق وضياع القياس لسلّم القيم.

    لا يبدو المضمون التاريخي لانطلاق الثورة العربية الراهنة مقتصراً على استلهام ما هو حافز في التاريخ العربي الحديث، بل يتجاوز ذلك الى المخزون الحضاري عند العرب، والذي لم تُتَح له الظروف والفرص للتعبير طوال العقود المنصرمة، حيث حققت شعوب العالم قفزة نوعية في السعي الى الحداثة والتنمية والديموقراطية وحقوق الانسان. ان البعد التاريخي للانتفاضات التي بدأت في تونس وتسير بسرعة قياسية هو تعبير عما كان يجب ان يحصل منذ نهاية الاستعمار المباشر، لكنّه تأخّر الى اليوم. ان ما افترضناه من بدائل ساهم في التآكل الاجتماعي والاندحار الوطني والقومي.

    لقد اقتصر التاريخ العربي على ما صنعه الافراد، وحمل الكثير من هؤلاء مرتبة الرسل، ليس فقط في الدين، وانما في الدنيا ايضاً، وغدت مساهماتهم سببا لتأبيد المفاهيم بدل ان تكون مصدرا للتحرر والانعتاق، فقط لان هذه المساهمات تُعنى بأهمية الافراد، كما ولدت من افراد، ولا علاقة للشعوب في استحضارها وفي نقلها من حيّز الإبداع الى رحاب التحول الحضاري.

    الحركة الشعبية التي تقودنا في هذه الايام في اتجاه إسقاط ما هو مألوف في الحياة العربية من سكون مدمر نحو حيوية فائقة التصور انما تعبر عن احياء كل ما افترضناه خيراً فينا واختفى تحت وطأة التركيز من اعداء العرب والاصدقاء الحميمين لهؤلاء الاعداء في موقع القرار، ان الانتفاضة بهذا المعنى تستوفي شروط بعدها التاريخي كردٍّ على الذين يعتقدون ان لا تاريخ لها سوى الذي ابتدأ مع لحظة انطلاقها.

    عندما كنا نتابع قادة وموجهي حركة 25 يناير في مصر، كنا نقرأ في كلامهم من الحكمة والوعي والإقدام والوضوح، ما لا يمكن اسقاطه على تجاربهم واعمارهم التي هي دون الثلاثين. انه البعد التاريخي لجيلهم المتنوّر والمتجاوز بكثير لما يمكن ان تقدمه آلة أو وسائل اتصال حديث من ثقافة ووعي.

    الدولة هي التعبير عن تنظيم التعاقد الاجتماعي عبر النظم والقوانين والدساتير، وهي بهذا المعنى قيمة اخلاقية والتزام انساني. وكل من خالف هذه القيم لا يستطيع ان يصمد حتى لو كان دولة عظمى او حزباً عظيماً او زعيماً مستوفياً كل الشروط عدا الشرط الاخلاقي. في الحالة العربية الراهنة لم تتكون الدولة الحديثة، وانتصار الدعوة اقتصر على الدعاء، وابتُلِيَ العرب بعدد من الزعماء الذين خالفوا كل السبل الى قيام الدولة، وعبثوا بالحد الادنى من مفهوم العدل، فمارسوا القهر بكل اشكاله، ورغبوا في التوحد الاجتماعي والاقتصادي مع لصوص العصر من نهابين وسماسرة على حساب المجتمع والأكثر فقراً فيه، ومارسوا القتل بأشكاله المختلفة دفاعاً عن سلطتهم التي حوّلت البلاد العربية الى مزارع خاصة بالملوك والرؤساء والأمراء، لم يشاركهم احد في الملك سوى من اختاروهم ندماء وابناء وزبانية. ان التجرؤ على هؤلاء دفعة واحدة، وبتصميم، هو تعبير عن بعد اخلاقي في ما تقدم عليه الثورة العربية في لحظتها الراهنة، وسوف يبلغ هذا الإقدام الدول والمجتمعات المحيطة. وان مثل هذا البعد للانتفاضات المتنقلة هو في صلب الدراية التي تكشفت عنها حركة المنتفضين الذين يتمسكون بالمحاكمات العادلة لكل الساقطين بعيداً عن شهوة الانتقام حتى من الذين نهبوا وقتلوا اقرب واعز الناس على قلوبهم.

    لقد بالغت الدعوة الى الوحدة العربية في استعجال الظروف بقدر ما بالغت بإمكانية قيام الدولة العربية الواحدة، وهي بسبب المبالغتين، لم تهتدِ الى ان مشروع الوحدة لا يمكن ان يتقدم، والحالة العربية مازالت سابقة لمرحلة قيام الدولة الوطنية، لقد اثبتت التجارب الوحدوية ان الوحدة رهان عند العرب لكنه رهان لا ينهض به سوى الدولة الوطنية الديموقراطية، رهانُ وعي وثقافة ومصالح ومؤسّسات، وما يجعل انتفاضة هذا الجيل ذات بعدٍ وحدوي ليس فقط سرعة انتقال عدوى الانتفاضة واسقاط حاجز الخوف في كل مكان، وكلاهما يؤكد عمق الحس الوحدوي، بل لأن الانتفاضات المتتالية هي في نهاية المطاف وحدوية لكون تضحياتها تهدف الى بلوغ السلطة الوطنية الديموقراطية في كل قطر عربي عبر الثورة الشعبية.

    ان اعتماد الانتفاضات المتنقّلة على وسائل حديثة للاتّصال والحوار والتحرُّك هو مشروع شراكة مع العالم المتمدّن يتّجه نحو التواصل الانساني، ودائرته الاولى هي الدائرة العربية ليبلغ من خلالها اهدافاً وحدوية على مستوى جيل الانتفاضة، ولاسيّما اذا ما فاز هذا الجيل في إقامة النظم الوطنية الديموقراطية.

    ومع نهاية السبعينات بدأ الطلاق يترسّخ بين المؤسّسة السياسية العربية، بتياراتها المختلفة، والاجيال الجديدة، ولذلك اسبابه العديدة. وبالتأكيد، فان المسؤولية تقع على عاتق الاحزاب وليس الاجيال. وتأتي هذه الانتفاضات اليوم لتطلق رصاصة الرحمة على دور هذه الاحزاب اذا ما استمرت الأخيرة (أي الأحزاب) تقدم برامج لا علاقة لها بهموم وثقافة جيلين من ابناء العرب حيث تبلغ نسبتهما إلى مجموع السكان نحواً من 60%. والانتفاضة بهذا المعنى هي ثورة على الانظمة الحاكمة بأشكالها، وتجاوز للاحزاب بمختلف تياراتها. ان الحزب او التيّار الذي لا “يَتَخفًّف” من حمله الإيديولوجي ومن التغني بتجاربه وقياداته “الموصومة” او العاجزة لن يقدم شيئاً في مستقبل الاشهر والسنوات المقبلة، وهذه هي رسالة الانتفاضة الشعبية إلى الأحزاب على امتداد الوطن العربي وفي محيطه.

    في العقود الثلاثة الماضية، وبسبب عجز التيارات الوطنية والقومية، تقدمت الاحزاب الدينية، وانتقلت لتحتل موقع التأثير الاول في قيادة الحركة الشعبية، ودرجت على الافادة من النفاق تجاهها، فتحملت عبء المواجهة مع الانظمة المستبدّة بما يتجاوز القوى الأخرى. واذا ما كانت المواجهة مع الاحتلال الاسرائيلي والاميركي في فلسطين ولبنان والعراق قد أعادت النظر في الوعي العربي المتحفظ اصلاً عن الاحزاب الطائفية والمذهبية فإنّ مقاربة الانظمة العربية لقوّة الحركات الدينية تقوم على التهديد بها لسدّ منافذ التغيير.

    إن خيار “إما الحركات الدينية واكثرها ظلامية وإما أنظمة مستبدّة ومتخلّفة حجزت الواقع العربي رسمياً وشعبياً في مرمى اعداء العرب”، هي معادلة سقطت مع الانتفاضة الشعبية في سائر العواصم والمدن، وإنّ الحيّز الذي تبدّى للحركات الدينية في الحراك الشعبي والسياسي هو بحدود حجمها الطبيعي، وليس هناك من دليل على تحفّظ الرأي العام عن الاحزاب الدينية، في المناخ الديموقراطي الصاعد، سوى رغبتها المعلنة في ان تبقى في الخطوط الخلفية. إن دور الانتفاضة في صياغة تعريف جديد لدينامية الحركة الشعبية، وترجيح أولويّتها في الوصول الى مجتمع المواطَنة والدولة العادلة، هو وحده الكفيل بتراجع مخاطر الصراع الديني، والتفتيت المذهبي الذي بدأ يحمل تباشيره الى المنطقة منذ أن أُقفِلَت ابواب التغيير بالآليات الديموقراطية.

    رفيق أبي يونس
    جريدة النهار
    07.03.2011

    Leave a Reply