• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لماذا يجب أن تنجح ثورة مصر؟

    قاطرة التغيير العربي هي مصر. هكذا كانت عام 1952 بعد إزاحة الملك فاروق، وهكذا ستكون الآن بعد إزاحة حسني مبارك الذي أراد ان يختزل التاريخ وكل ما قيل عن الثورة وحقوق العمال والفلاحين خلال 25 عاما تقريبا سبقت اتفاق كمب ديفيد، وهو الاتفاق الذي وضع “أم الدنيا” في الاستيداع الاقليمي كي لا نقول على الهامش الاقليمي.

    صحيح أن تونس أطلقت الشرارة التي ستفجر بركان التغيير في المنطقة كلها، انطلاقا من النيران التي أشعلها محمد البوعزيزي في جسده، والذي صار بسرعة جسد ملايين المقهورين والمضطهدين والمهانين في المنطقة، ولكن مصر هي المحور وهي التي ستقرر في النهاية مسار التغيير أو بالاحرى سترسم صورة العالم العربي الجديد والشرق الاوسط الجديد.

    كان مضحكا تماما ان يقول أحمد أبو الغيط قبل أيام “إن من توقّع مسار الاحداث في مصر فليقل إنه نبي”. على الاقل لأن الامور لا تحتاج الى النبوءات ولا الى أنبياء، بمقدار ما احتاجت دائما وتحتاج الآن وفي بلدان عربية كثيرة، الى من ينظر من “فوق” الى تحت حيث الشعب المقهور والشباب المحتقن المصاب بالخيبة وهو لا يصدق نمطية المهانة التي تتوارثها الاجيال على مدى ستة عقود من الزمن.

    لا تحتاج الامور الى النبوءات، بل الى أن يتواضع الذين يقطنون في الطبقة العليا من “العالم” العربي وأن ينزلوا لتفقد أحوال الرعية اليائسة والبائسة. فمن كل شباب مصر الذين يتجاوز عددهم 40 مليونا لم يكن هناك من همّ أو قضية غير جمال مبارك وكيفية توريثه ووضعه في كرسي الفرعون حاملا لصولجانه والمليارات. وفي بلد مثل مصر ملايين من الكفاءات والاختصاصات الشابة المتفوقة على جمال والتي لا تجد كرسيا أو عملا.

    لكن المسألة بعد كل هذا الهوان لم تعد مسألة خبز او يسر او وظيفة او مال، إنها مسألة كرامة انسانية انفجرت بعد تاريخ من الاحتقان، ولعلها مسألة حق مسلوب وهو حق الانسان في حياة حرة قادرة ان تثبت ذاتها وتعبّر عن نفسها ووجودها.

    وفي تونس تجاوز الاحساس العام بالمهانة حدود احتمال شعب على مقدار متقدم من الثقافة والطموح لكنه في ظل حكم الجشع والطغيان اضطر طويلا مثلا الى احتمال هيمنة ليلى طرابلسي زوجة الرئيس المخلوع، وإمساكها بناصية القرار، وهي التي لم ينس التونسيون يوما أنها مصففة شعر لا مصففة بشر وقد تمادت في صف الملايين لا بل المليارات، وجعلت من قصرها خزانة بنك مركزي، والبوعزيزي ممنوع من امتلاك عربة خضار يعتاش منها فعندما أحرقوها أمامه أحرق نفسه كرامة لا احتجاجا، وأشعل الشرارة في البارود العربي المحتقن!

    كيفما اتجهت الآن ترى الجماهير المندفعة والصارخة في شوارع معظم الدول العربية، فانك تجد في النهاية ان الاسباب عينها هي التي تفجر الثورات والتظاهرات، لكن هناك حاجة ملحة وضرورية الى القول ان مصر تبقى قاطرة التغيير، ترسم مساره وتقرر في ضوء تطورات التغيير فيها، مسار التغيير في المنطقة وسرعته وهندسته والحماسة حياله. ما يجري في ليبيا من خلال جنون معمر القذافي واصراره على الاستمرار في ممارسة الديكتاتورية المتوحشة وعدم تردده في الاندفاع لاغراق البلاد في حرب أهلية مدمرة، قد يشكل حافزا تبريريا بالنسبة الى الديكتاتوريات الاخرى لكي تمضي في التصلب وتواجه صدور الناس بالرصاص الحي، كما أنه قد يشكل نقزة لدى بعض الجماهير التي تعودت الموت بالتقسيط وقد تجد أن التقسيط في الموت أفضل من مواجهة فوهات البنادق والرشاشات وحتى صواريخ الدبابات والمقاتلات.

    لهذا من الضروري ان تنجح ثورة مصر وان يزهر ربيع التغيير فيها، بما يساعد على نجاح التغيير في البلدان العربية الاخرى وتحديدا في ليبيا والجزائر التي تخشى نجاح هذا الأمر عند الجيران.

    يجب ان تنجح ثورة مصر لكي ترتعد فرائص النظام الايراني ايضا، الذي يسحق المعارضة عنده ويضع زعماءها في السجون ويقمع الثورة الخضراء بالقوة والبطش ولا يتوانى عن التصفيق للثوار في الدول العربية.

    نجاح التغيير وقيام الديموقراطية في مصر سيضع شاهدا على قبر “الشرق الاوسط الاسلامي” الذي أكدت الثورة المصرية حتى الآن انه لن يقوم لا بل انه حلم ومات في أذهان البعض.

    واذا كنا لم نسمع صراخا في ميدان التحرير يقول “الموت لأميركا – الموت لاسرائيل”، فان ذلك لا يعني بالضرورة ان التغيير في مصر هو في عهدة الحاضنة الاميركية غير المرئية، يقوم الجنرالات بدورها، بل قد يعني ويجب أن يعني ان مصر تستعيد دورها الوطني والقومي ووظيفتها الطبيعية ذات البعد المحوري في هذه المنطقة.

    واذا استطاعت مصر ان تطبق النموذج التركي وهذا هو المؤمل، يمكن ان يقوم الشرق الاوسط الديموقراطي ولو بعد حين. ومجرد قيامه كفيل باطلاق رياح التغيير في كل الاتجاهات.

    واذا كان نصف قرن من الهزائم واتفاقات التسوية لم يستطع أن يجعل من اسرائيل “الحي اليهودي في العالم العربي” كما قال الملك الحسن ذات يوم، فان الديموقراطية كفيلة بأن تحقق هذا، وأن تجعل من الدول العربية قوة صاعدة تعيد رسم الاستراتيجية الدولية بطريقة متوازنة أكثر.

    إن التغيير المتلاحق في الوجوه والحكومات والمسؤولين يعني ان مصر وتونس على الطريق الصحيح. لكنه طريق طويل، أما محطته الاخيرة فهي عالم عربي جديد!

    راجح الخوري
    جريدة النهار
    04.03.2011

    Leave a Reply