• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    انتصار الحرية والعلم

    «إن الكتاب الاخضر يقدم الحل النهائي لمشكلة اداة الحكم ويرسم الطريق أمام الشعوب لتعبر عصر الديكتاتورية الى عصر الديموقراطية الحقيقية».

    اتخذ معمر القذافي لنفسه بلداً في حجم ألمانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وراح يبتدع له حروف الحكم بدل الدساتير التي تعمل بها دول الارض، وضع «الكتاب الاخضر»، ولم يرد ان يحصر منافعه بليبيا، فجعله «النظرية العالمية الثالثة» وطفقت مطابعه توزعه على جميع المحتاجين. وعندما انهار الاتحاد السوفياتي أعلن المؤلف ان ذلك دليل على صحة نظرياته. وعندما هزّت الازمة الاقتصادية الغرب أبلغ الشعب الليبي ان الغرب والشرق على وشك تبني «الكتاب الاخضر» دستوراً ونهج حياة وسعادة ازلية.

    جاء الأخ قائد الثورة الى السلطة مع 11 ضابطاً برتبة ملازم عام 1969 ضمن هيئة سميت “مجلس الثورة”، وكانت ليبيا لا تزال تعرف باسمها الطبيعي، وبعد ثماني سنوات ألغى المجلس اسم البلد وابتدع حكماً جديداً بين احكام الامم. هكذا ارسل الضباط الى منازلهم وبقي وحده أخاً قائداً، وسلّم الحكم الى الشعب من طريق “لجان ثورية” وصار اسم الدولة المترامية الجماهيرية الاشتراكية الليبية العربية العظمى.

    بعد وفاة جمال عبد الناصر قرر ان يحمّل نفسه عبئاً اضافياً فاتخذ، دون مشاورة أحد، لقب “أمين القومية العربية” وطفق يعرض الوحدات الفورية، من مصر الى تونس، ومن المغرب الى السودان. وبعد رحلة خطابية مصورة في وحدات تعلن اليوم ويعلن فكها غداً، ادار ظهره للعرب الذين خذلوا زعامته واتجه نحو افريقيا يوحدها ويصير في النهاية “ملكاً على ملوكها”.

    بدل دار الحكم اخترع القذافي خيمة الحكم. وبدل البقاء في طرابلس العاصمة نقل خيمته الى بلدة تدعى سرت، على أطراف بلد طول ساحله 1770 كيلومتراً. لا بد ان يكون الأخ العقيد مختلفاً في كل شيء. ولا بد ان تعم ثورته العالم، ولذا تعاون، خلال مرحلة طويلة، مع “كارلوس” ومع “أبو نضال”. وفي جملة النشاط الثوري أسقط رجاله طائرة “يوتا” المدنية الفرنسية، وادى ذلك الى اقفال الشركة، وفجّروا طائرة “بان ام” فوق لوكربي، اسكوتلندا، وزالت الشركة من الوجود.

    لا شيء في الجماهيرية العظمى مثل سائر البشر. البرلمان اسمه المؤتمر الشعبي. والوزارة تسمى امانة. والاشهر لها أسماء منقولة هي ايضاً، فالحالي هو شهر “النوار” حفظك الله. ألم تفعل ذلك الثورة الفرنسية من قبل؟ لم يكتف الأخ القائد بتجاهل الاشهر الهجرية في بلد اسلامي بل قرر أيضاً تغيير التاريخ الهجري.

    كل شيء في الجماهيرية العظمى عظيم. وعندما أعلن الاخ القائد عن نهر صناعي يسقي بعض البلاد، سماه النهر العظيم. تم تدشين النهر في احتفالات دعي اليها الاخوة في كل مكان. لكن المشكلة انه بعد سنوات لم يظهر النهر العظيم في اي مكان، عدا الخطب.

    بعد “الكتاب الاخضر” والجماهيرية وحكم الشعب، ابتدع الاخ القائد لنفسه زياً جديداً. خلع البزة العسكرية التي ملئت بجميع أنواع الأوسمة وسائر ألوان النياشين الثورية، وصار يرتدي ثوباً افريقياً طافحاً بألوان القارة الزاهية. وفي بداية عهده، قبل 42 عاماً، درجت بين الشباب موضة تطويل الشعر، فأرسل الشرطة تطاردهم وتطبق المنع الرسمي. وبعد فترة طاب له الأمر، فأرخى هو شعره، وبقي المنع سارياً.

    أي شيء يخطر له كان يصارح به شعب الجماهيرية. ذات مرة وقف وألقى خطاباً طلب فيه من الليبيين الهجرة الى السودان، بداعي فقر الموارد.

    يقول مفكّر عربي من وجوه وعقول المرحلة الناصرية، إن ما يحدث الآن هو ان الشعوب تقطع علاقتها مع النظام العربي الذي قام منذ عام 1954. أي يوم انحرفت ثورة 23 يوليو عن منطلقها الاول لترسل المتظاهرين الى الشوارع يهتفون “فلتسقط الحرية، فليسقط العلم”. وبعدها انقضوا يعتدون على مكتب رائد الدساتير العربية عبد الرزاق السنهوري.

    الآن تطالب جماهير ميدان التحرير وتظاهرات بنغازي وصنعاء والجزائر بوضع دستور حقيقي غير مفرغ من المعاني الانسانية، او غير ملفوف بالألفاظ الخانقة. فالاشتراكية التي رفعت شعاراتها في الخمسينات، لم تتعد عتبة قبيلة واحدة في اليمن. وفي مصر صار من رموزها احمد عز (الآن في السجن) وطلعت مصطفى وتلك الفئة الفاقعة من رجال الاعمال والفساد. وفي الجماهيرية الاشتراكية العظمى لم يخرج الأخ القائد في زيارة رسمية الى بلد ما إلا ومعه موكب رسمي من 300 سيارة “مرسيدس”.

    القاسم المشترك الآخر في النظام العربي، الذي تلحّف بثورة 23 يوليو، أن أهله لم يعودوا يمتلكون الحكم والسلطة فقط بل مصادر الثروات ايضاً. مات عبد الناصر فقيراً. وعمل أشقاء محمد نجيب سائقي تاكسي. وتنقّل السادات في القصور الباقية من الملكية، لكنه لم يضمها الى حسابه. وعندما انقلب القذافي ورفاقه على الملك ادريس السنوسي، كان الرجل في مصر، ومعه سيارتا “مرسيدس”. وعندما تأكد من انه لن يعود ارسل السيارتين الى اهل الحكم الجديد، باعتبارهما ملك الدولة.

    نصف قرن بدأ بمجموعة احلام تراءت للعربي في يقظته ويقظة وعيه القومي، وانتهى في مجموعة كوابيس. حلم بالحرية فاتسعت أمامه السجون على نحو لم يعرفه حتى في أسوأ أيام الاستعمار. وحلم بالوحدة، فرآها تتبدد، وتتحوّل أحياناً مسخرة رديئة الإخراج والتمثيل. وحلم بالترقّي والكفاية، فإذا بالأنظمة التعليمية تهبط والبطالة تسطو على مستقبل الشبان وتهدر كراماتهم وتشتتهم في البحار، مهاجرين غير شرعيين أو مفجّري قنابل في قطار مدريد المسائي، ومجموعات يائسة في كل مكان.

    كانت الناس تهاجر الى مصر وكان الاوروبيون يلجأون اليها، فصارت بلد هجرة. مشى العصر والدول العربية خارجه. أضاع العراق أهم طاقات بشرية صناعية واقتصادية وعلمية، في غزوات تميّزت بالعبث وانعدام الرؤيا وشح الثقافة التاريخية. خلال مرحلة قصيرة في السبعينات، بدت بغداد كأنها برلين العرب الصناعية. ثم فجأة صارت برلين العرب الغاضبة. وفي بلد غني بهبات الطبيعة صار صعباً ان تجد كيساً من العدس وسهلا ان ترى البيوت متشحة بالسواد، فيما يخطب الزعيم عن الكرامة وام المعارك.

    نصف قرن مرير مرّ وقاس. كنا نحلم بوحدة الأمة فصرنا نخشى تفكك البلدان. اليكم ما حدث في السودان وفي العراق وفي فلسطين والخوف الآن من الكوامن المستيقظة في ليبيا واليمن. واليكم حال لبنان والبحرين. واليكم حال أمة اهملت نفسها في العقود الستة الاخيرة حتى نسي الحكام ان سنّة البقاء لا استثناء فيها، إلا للحي القيوم.

    عندما يفكر المرء في دول مثل ليبيا والعراق والجزائر والسودان، وفي ما حبيت به من ثروات، يشعر بخزي حقيقي وهو يتأمل الناتج الصناعي أو الزراعي أو العلمي. وإذا كان صعباً على بلد مثل ليبيا ان يصير قوة صناعية، فهل يصعب عليه زراعة غابة اشجار، في حين حوّل زايد بن سلطان ابو ظبي القاحلة بستاناً وحديقة. ألا تخجل الجزائر، بعد نصف قرن من الاستقلال، من التقدّم الذي أحرزته تركيا؟

    لم يعد كل ذلك مهماً. الوقت ليس مهماً عند هذه الأمة. الناس لا أهمية لهم. الهناء ليس ضرورياً. الكفاية مسألة خاضعة للبحث. لكن المهم الآن ما هو النظام الجديد الذي سوف يقوم على هذه الارض. هل كان مشهد الهجانة في ميدان التحرير آخر مشاهد التخلّف العبثي؟

    نصف قرن خُدّرت الأمة خلاله بالقضية الفلسطينية، رمز الإهانة العربية. الأخ صلاح خلف رآها تمر من جونية، وصدام حسين رآها تمر من الكويت. بعد سبات طويل تنبّه الناس الى ان الانظمة العربية في كل مكان إلا فلسطين. وان الجبهات مفتوحة مشرقاً ومغرباً إلا فلسطين. وان النزاعات العسكرية بين المغرب والجزائر حول الصحراء، وبين مصر والسودان حول حلايب، وبين العراق وجواره حول ايران والكويت، وان جيش ليبيا يقاتل في التشاد، والى جانب فوداي سنكوح، ويمول جيش تحرير الفيليبين، وان لا احد حقاً الى جانب فلسطين سوى البيانات الدورية وبرقيات رفع العتب وأناشيد الأرشيف.

    “فلتسقط الحرية والعلم” قالت تظاهرات القاهرة 1954، فإذا الحرية والعلم يٌسقِطان نظام 1954 في ميدان التحرير. الحرية والفايسبوك. واذا الجماهير التي أبلغها الأخ القائد انه غيّر وجه التاريخ، تنزل الى شوارع بنغازي ودرنة والبيضاء ومعها صدورها، وإذا الجزائريون يتطلعون في نصف قرن من الاستقلال ويتساءلون: ألا نستحق الحرية كما استحققنا التحرير من قبل؟ مات بومدين فقيراً ووحيداً. بل مات في ظرف غامض وهو في السادسة والاربعين. وسلّم ادريس السنوسي الحكم الى الثورة من القاهرة، وسلّم معه سيارتي “مرسيدس”، ومات في المنفى بكرامة لا ثروات فيها. وعاشت الثورة 42 عاماً. وها هو سيف الاسلام القذافي يخيّر الليبيين بين جماهيرية ثانية أو القتال حتى آخر طفل.

    سمير عطالله
    جريدة النهار
    23.02.2011

    Leave a Reply