• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    غسان سلامة: لا شرق أوسط إسلامياً والدول العربية تستبق الانتفاضات

    لغسان سلامة نظرته الثاقبة الى الأمور، لأنه، الى خبرته الواسعة في العلوم السياسية والشؤون الدولية، استطاع بملء ارادته ان يبتعد عن السياسة المحلية اللبنانية بتفاصيلها اليومية الضيقة، وأيضاً بمناخها، لذا تجده يتناول الشأن اللبناني بكلام له وقعه، وليس له بعده المصلحي على أبواب تأليف الحكومة. استاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون سابقاً، عاد الى فرنسا بعد توليه مهمات وزارة الثقافة اللبنانية، وانجاحه القمة الفرنكوفونية التي عقدت في بيروت عام 2001، فأسس معهد الشؤون الدولية في باريس ورئسه. يفرح الدكتور غسان سلامة في مجالسه لأن عدداً من طلابه شاركوا ويشاركون في الانتفاضات والثورات في العالم العربي، وهم لا يميلون الى العنف، بل يحبذون التغيير السلمي، ويرى انهم زاوجوا بين النظريات والعمل الميداني. يتحدث عن لبنان الخارج من اتفاق الطائف الذي أوقف الأعمال الحربية، املاً في أن يؤسس لمرحلة جديدة لا أن يصبح أسير الطائف. ويدعو في هذه المرحلة الى “خفض حرارة” الطائفية والتشنجات المذهبية في لبنان، وخصوصاً في ظل المتغيرات في المنطقة العربية. معه كان هذا الحوار.

    في ظل ما يحصل الآن في العالم العربي، هل نحن في اتجاه شرق أوسط جديد؟

    لا. فتعبير شرق أوسط جديد أصبح بذيئاً ومبتذلاً لانه كان عنواناً لمشاريع سياسية من فوق ومشروعاً له علاقة بالجيو – سياسية، أما ما هو حاصل اليوم فله علاقة بالنسيج الاجتماعي وبتغيير طبيعة السلطات في العالم العربي تحت ضغط الناس، ولا أقول الشارع لأنها كلمة مبتذلة وبذيئة، بل تحت ضغط الناس وبالذات فئة منهم في غاية الاهمية هم الشباب، وهذا أمر مختلف جوهرياً.

    الأمر ما زال في بدايته وستحصل بعد تطورات اكبر وستمسّ طريقة الحكم في البلدان العربية المختلفة حيث هناك انتفاضات، وحيث ستحصل انتفاضات أو حيث لن تحصل انتفاضات ستتغير طبيعة السلطة. واذا راقبنا بطريقة دقيقة سنجد ان كل الدول العربية شهدت خلال الاسابيع الماضية تعديلات طفيفة او متوسطة او عميقة في نظام الحكم فيها في محاولة استباقية أمام امكان حصول انتفاضات وفي محاولة لاحتواء هذه الموجة.

    هل هو تطور طبيعي لا محرّك له؟

    لا، بل تطور بسبب التقدم التكنولوجي وصيرورة العولمة التي ضغطت على هذه الحكومات. لن تتحول الحكومات بنفسها حكومات أكثر ديموقراطية لكنها رضخت للواقع التكنولوجي الجديد. لكن هناك مفهوماً آخر للديموقراطية لا يتعلق بالحرية بل بالتداول السلمي للسلطة. في هذا المجال أخذت الحكومات ثأرها، بمعنى أنها تساهلت راضخة في مفهوم الحريات لكنها تراجعت تراجعاً مأسوياً في عملية التداول السلمي للسلطة وأصبحت تسلطية وانتفاعية. ان كل هذه السلطات بدأت تنظر الى الدولة كملك لها وان ما تملكه لها الحق في أن تورثه للأبناء. وثانياً، بسبب تملك الدولة حصلت استفادة من هذه الدولة للبذخ والحياة المرفهة، وبالتالي فإن الحياة اليومية للحكام العرب اليوم لا علاقة لها بالحكام السابقين. ثالثاً، نشأ تحالف جديد لم يكن قائماً في السابق مع طبقة رجال الاعمال المرتبطة بالدولة لأنهم هم الذين سمحوا باستفادة الأسر الجمهورية الحاكمة من التوريث والانتفاع والاثراء غير المشروع.

    هذا الأمر تناقض تماماً مع ما كان يحصل في المجتمع، حيث مفهوم الناس ان مصدر العيش الكريم الاستثمار في التربية والتعليم. لذلك ما رأيته في العشرين سنة الماضية هو انفاق غير مسبوق في تاريخ المجتمعات العربية على التربية والتعليم. وبعد 20 سنة اكتشف هؤلاء الشباب انهم خريجون عاطلون عن العمل، وان حركة الانتقال الى نظام السوق استفاد منها فقط آلاف أو مئات، أي فئة قليلة جداً أثرت ثراء فاحشاً وانتفعت من اقتصاد السوق. فهذه انتفاضات ضد المنتفعين أكثر منها انتفاضة ضد المتسلطين. ففي تونس مثلاً الانتفاضة ضد ليلى طرابلسي أكثر منها ضد بن علي، وفي مصر ثورة ضد أحمد عز اكثر منها ضد حسني مبارك.

    هل للعامل الأميركي تأثير في ما يحصل في العالم العربي؟ وما حجمه؟

    جب ان نعتاد تخفيف أهمية العناصر الخارجية اجمالاً مما هو حاصل في العالم العربي لأسباب عدة. أحدها الانحدار النسبي في نفوذ الغرب في المنظومة العالمية، فالولايات المتحدة ما زالت اكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، لكن النفوذ الغربي على النظام العالمي ليس في مرحلة صعود بل في مرحلة انحسار.

    هناك سبب ثان لضعف التأثير الخارجي والأميركي تحديداً هو ارباك حقيقي للدول الغربية مما يحصل في العالم العربي، وقد وصل في أحد الأيام الى ان تحدث الرئيس الاميركي وتحدث مندوبه الى مصر بلغتين مختلفتين بفارق ساعات. وثمة اشخاص لديهم انتخابات قريبة، لذا عليهم ان يحافظوا على خطاب تبشيري متماسك بالديموقراطيات كي لا يقال انهم باعوا الديموقراطية وخانوها وانهم يتناقضون في مواقفهم ويتساهلون مع الدول الصديقة ويتصلبون مع الدول غير الصديقة. ومن جهة اخرى، لدينا المنظومة الامنية والاقتصادية في دول الغرب وخصوصاً في اميركا التي حساباتها لا تقوم على هذا الخطاب التبشيري بل تقوم على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبلد، وبالتالي تلعب بالنار في الدول المعادية وتحافظ على الاستقرار في الدول الصديقة.

    هل هذا الارباك الذي أصاب الدول الغربية يمكن ان تفيد منه دول مثل إيران التي سارعت الى القول ان هذه بداية شرق اوسط اسلامي؟

    سأكون دقيقاً في اجابتي. هل نحن أمام تعديل في طبيعة السلطات العربية؟ بالتأكيد نعم. لو توقفت كل الحركة اليوم فهي أنجزت الكثير، فما بالك ان الحبل على الجرار. هل هذا يعني تعديلاً في علاقة المنطقة بالغرب وبالذات بالولايات المتحدة؟ جوابي هو ايضاً نعم. هل هذا يعني اقامة شرق اوسط اسلامي؟ بالتأكيد لا. لماذا؟ أولاً لأن الانتفاضات الجارية حالياً تعلن فشل الانظمة القائمة في حل مشكلات المجتمعات العربية وتعلن ايضاً فشل التيارات الاسلامية في تقديم حلول لها أي ليس محمد بديع مرشد الاخوان المسلمين ولا راشد الغنوشي مرشد حركة النهضة في تونس اكثر الماماً او التصاقاً أو ابداعاً في انتاج الحلول لمشكلة الشباب المصري او التونسي من حسني مبارك وبن علي. وبالتالي كان عليهم اللهاث وراء انتفاضات لم يشاركوا في صنعها ولا في ادارتها، والتحقوا بها في الأيام الأخيرة. ويقيني انهم فعلوا الصحيح بعدم ترشيحهم في أي من هذين البلدين واحداً منهم لرئاسة الجمهورية لأنه سيسقط، ولن يحاولوا الحصول على أكثرية في مجالس النواب لأنهم لن يحصلوا عليها. كل التقديرات في الدول العربية التي لدينا تذهب في هذا الاتجاه.

    السبب الثاني، رغم أننا لسنا أمام عتبة شرق أوسط اسلامي، هناك تعديل حقيقي في علاقة دول المنطقة المختلفة بأميركا والغرب حتى لو كانت صديقة لها كما في تركيا مثلاً. وسنرى المزيد من تعديل في موقف هذه الدول من علاقتها بأميركا في اتجاه مزيد من الاستقلالية من دون أن يعني ذلك الجنوح نحو المواجهة اليومية معها.

    في ظل هذه التغيرات هل تعتقد ان مصر ستستعيد دورها المحوري الاقليمي الذي انحسر في الاعوام الاخيرة لمصلحة تركيا وايران، وهي مقيدة باتفاق كمب ديفيد؟

    حتى جماعة “الاخوان المسلمين” اليوم قالوا ان هذه المعاهدة ملك الشعب المصري، اي هو من يقرر ماذا يفعل بها. عندما حصلت حوادث تونس ثم مصر أراد كل واحد ادخالها في قمقم. فمنهم من قال انها انتصار للاسلام ومنهم من قال انها سقوط كمب ديفيد… الموضوع ليس كذلك، فأنا بالطبع أتوقع دوراً مصرياً أكثر فاعلية، لكن الدور المصري المنحسر في الفترة الاخيرة كان بإرادة مصرية، ولم يكن بسبب نفوذ الآخرين.

    بعد كمب ديفيد انتقلت الجامعة العربية الى تونس وخرجت مصر من جامعة الدول العربية. واثر وفاة الرئيس السادات عادت جامعة الدول العربية الى مصر. لكن هل عملت مصر على دور أكبر لنفسها أم اكتفت فقط بعودة الجامعة؟ ما الذي كان يمنع مصر أن تؤدي دورها خلال الخمس سنوات الماضية؟ لماذا لم تمارس دورها في محاولة معالجة المسألة السودانية؟ وما الذي كان يمنعها من ان تتدخل في حل مشكلة العقوبات على ليبيا؟

    حقيقة الامر انه نشأت في مصر طغمة سياسية ومالية انعزالية تعتبر ان العرب كتلة متراصة وهي خارجها، وهذا له تأثير بالغ جداً. يعني ربما ان اتفاق كمب ديفيد قيّد دور مصر بعض الشيء، لكن القيود التي فرضتها مصر على نفسها أكبر من تلك التي فُرضت عليها.

    في رأيي اولاً استعاد تشكيل السلطة، اذ هناك مرحلة انتقالية لا تقل عن 6 أشهر، ثم ان السلطة الجديدة التي ستنشأ في مصر ستتخلى كلياً او جزئياً عن هذا القرار الانعزالي الذي سلكته مصر في العشر سنوات الاخيرة.

    ما تأثير هذا التغيير على القضية الفلسطينية؟

    نحن جميعاً معنيون بالقضية الفلسطينية، وأنا أردد دائماً ان استقرار لبنان مرتبط بقيام دولة فلسطينية، وليس هناك من له مصلحة في قيام هذه الدولة كلبنان. انطباعي ان اسرائيل في هذا المجال نوع من اميركا مصغرة، بمعنى ان ما شهدناه هو غلبة الهاجس الأمني والتفكير الاستراتيجي على ما هو حاصل. جل ما صدر عن اسرائيل من شهرين الى اليوم يشير الى قدر من الارباك، لا بل من الهلع، لأنها خسرت وستخسر في المرحلة المقبلة. اولاً خسرت الجملة التي هي في الاساس خاطئة، اي ان اسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، اذ سنجد الآن ان هناك ديموقراطيات عربية حيوية وفاعلة ربما اكثر مما يسمّى بالديموقراطية الاسرائيلية. ثانياً ستخسر من سهولة التعامل مع اشخاص منفردين يمثلون شعوباً، اذ اعتادت من 1948 التعامل مع الزعماء العرب المتسلطين سراً والاعتماد على معظمهم لعلاقات سرية، لكنها ستصبح الآن في غاية الصعوبة.

    اما الخسارة الثالثة فمردها الى الارباك الارتدادي في اسرائيل للارباك الغربي. وهذه الخسارة يمكن ان تؤدي الى نتائج مختلفة. لكن الامر ما زال باكراً، والامور المخيفة ان يحمل هذا الهلع في اسرائيل الى التفكير مجدداً في حروب وعدوانات. او قد يدفع على العكس من ذلك الى امكان ان يأتي داخل النخبة الاسرائيلية من يقول ان مستقبل هذا الكيان يمكن أن يؤمّن من جيران ديموقراطيين، وبالتالي علينا ان نقبل بالامر الواقع الجديد وان نتعامل معه بإيجابية. لكن اذا انتصر التيار الامني والاستراتيجي والعدواني فنتيجته قد تكون مكلفة حتى على العملية الديموقراطية نفسها.

    على من ستشن اسرائيل حروبها؟

    ثمة اهداف مختلفة، لكن اللائحة مثلثة باستمرار: “حماس”، لبنان وسوريا، وايران. هذه هي الاهداف الاكثر تداولاً، لكن لكل من هذه المغامرات ثمناً. المغامرة الايرانية لها ثمن هائل بسبب امكانات ايران في الرد وبسبب عجز الاسرائيليين التقني عن تدمير المشروع كله واعتبار الغرب منذ نحو 6 الى 8 أشهر ان سياسته في العقوبات والمراقبة تؤتي نتائجها في البرنامج النووي، وبالتالي اذا خربطت اسرائيل الموضوع فهذا أمر خاطئ.

    المحور اللبناني – السوري وكذلك مع “حماس” له محاذير مختلفة بمفهوم الحروب غير المتكافئة. في الحروب التقليدية يكفي ان يكون الانتصار نسبياً كي يعلن. اما في الحروب غير المتكافئة فلا يمكن ان تقول انك انتصرت الا اذا دمرت خصمك تدميراً مطلقاً.

    الحرب على غزة ولبنان حصلت وفق هذا المعيار، وبالتالي هل لدى اسرائيل القدرة على تدمير الخصم والغائه؟ لا أعتقد، وبالتالي هناك كوابح داخلية في اسرائيل.

    من التالي من الدول العربية؟

    كل رئيس عربي اليوم يعرف انه يمكن ان يكون التالي. ليس هناك واحد لا يفكر في هذا الامر.

    حتى السعودية وسوريا؟

    لا استثني احداً، والحركات الاستباقية التي تحصل تعبّر بوضوح عن ان الجميع يعرف ان هناك لعبة دومينو. لكن اذا كانت العلة عينها في الدول المختلفة وهي على دول متسلطة ومتنفعة، وبالتالي اذا كانت الانتفاضات القائمة في جوهرها أخلاقية ضد المتنفعين اكثر من المتسلطين، فهذا ينطبق على كل الدول العربية مهما يكن نظامها السياسي. ثمة معايير نسبية تعطي مناعات، فالدولة التي لديها امكانات مالية كبيرة يمكنها بالتأكيد حماية نفسها أكثر من الدول الفقيرة المعدمة. وكذلك الدول التي لديها موقف يتماشى مع شعوبها في الموضوع الفلسطيني لديها مناعة نسبية اكثر من تلك التي تراها شعوبها خائنة او متساهلة. لكن كل هذه المناعات نسبية تؤخر او تخفف او تلجم، ولا تعدم امكان الانتفاضة. وبالتالي السعودية او سوريا لديهما مناعات نسبية مقارنة بتونس او بمصر.

    لكن الاخطر والذي يجب ان نتوقف عنده هو معيار الاندماج الاجتماعي لهذه الدول. تونس ومصر دولتان الى حد كبير مندمجتان، لكن في الدول حيث الشرخ قوي هناك خطر من ان تنزلق الانتفاضة الى حرب أهلية مثلاً في البحرين، او كما يحصل في ليبيا حيث التظاهرات قوية ودموية.

    في البحرين أخذت الانتفاضة طابعاً مذهبياً منذ اليوم الأول. فنجاح الانتفاضتين في تونس ومصر حصل لأنه لم يوضع عليهما شرط تجاوز الانقسام الداخلي العمودي السابق للرغبة في الانتفاضة كما هي الحال في لبنان والعراق والبحرين، وفي ليبيا والجزائر لأسباب مختلفة.

    كم تحتاج الصورة في المنطقة العربية الى وقت لتتبلور أكثر في ظل بداية التغيير؟

    ما زال التغيير في بدايته، لذا لا يمكن ان نقول أياماً وأسابيع بل أشهراً وحتى سنوات.

    ما مدى تأثير حركة التغيير على لبنان؟

    تأثيراتها هائلة على لبنان، لأنه ليس جزيرة في البحر. لو كان كذلك لكان تاريخه يكتب بطريقة مختلفة جداً.

    ليس جزيرة، لكنه ليس بلداً يمكن ان تحدث فيه ثورة تغييرية؟

    الحياة السياسية في لبنان تتأثر كثيراً، لأن تغيّر السلطة في المنطقة يهمّ لبنان في صورة اساسية. ويجب ان تكون أعين اللبنانيين منفتحة انفتاحاً حقيقياً وموضوعياً على ما هو حاصل. كيف يتمّ ذلك؟ اولاً، في عدم تبنّي هذه الانتفاضات بوصفها امتداداً للمشروع السياسي لا لـ 8 آذار ولا لـ 14 آذار. اعتقد ان اخطاء 14 آذار بالذات ان برنامجها التغييري لم يكن واضحاً، بعكس برنامجها السيادي والاستقلالي. وظيفة هذا البلد في المنطقة ان يكون ايضاً مصنع أفكار وليس مصنع شائعات، لكنه اصبح عالماً فضائحياً داخلياً بذاته، وقد أسهمنا اسهاماً شديداً في هذا الأمر.

    لدينا أمر أسوأ، اذ دائماً نطالب بأن يكون الاهتمام العربي فينا أكبر، وكان لدينا استعداد للمغامرة والمقامرة في سلمنا الداخلي على حساب سيادة “أصحابنا” خارجاً. وهنا خطورة الموضوع، فإذا اصبحت السياسة الخارجية في الدول الاخرى اكثر شفافية فيصبح امكان استقواء اللبنانيين كل واحد بطرف خارجي أصعب، وهذا جيد للبنان.

    واخيراً، وهو الاهم، يجب ان نسأل أنفسنا بصريح العبارة هل لنا مصلحة في ان نكون محاطين بدول عربية تسلطية او ديموقراطية؟ في الستينات والسبعينات كنا نتابع بدقة وبموضوعية وبتفصيل التغيرات السياسية الداخلية في كل الدول العربية. لكن في الفترة الاخيرة، تقوقع اللبناني وأصبح مهتماً بذاته بطريقة نرجسية. فاللبناني لم يعد يهتم بالوضع العربي ويريد الجميع أن يهتم به، وهذا امر لا يدوم، وبالتالي اصبح الاهتمام العربي بلبنان غير صحي، وهنا عتبي الكبير.

    هل لنا مصلحة في ان تقوم الديموقراطيات من حولنا فيما ديموقراطيتنا أصبحت شكلية؟

    ما من شك لدي في ان هذا الامر سيسعف الديموقراطية في لبنان وسينقذها. كنا “وج الصحارة” ولم نعد كذلك، علينا ان نعترف بالأمر وان نتعلم مما هو حاصل. لدينا صورة في لبنان تقول انه بقدر تطرفك يكون موقفك حازماً. انا متطرف في لبنانيتي وبالتالي موقفي غير قابل للمساومة، بينما الاخرون يساومون. واذا نظرنا الى تونس او الى مصر نرى ان الناس على درجة عالية من الاعتدال الفكري، لديهم مواقف حازمة للغاية، لكنهم أصحاب مواقف حازمة وليس مواقف مساومة. أحد الامور التي تساعدنا في هذا البلد الجميل هو ألا نمزج بين التطرف الفكري والايديولوجي والمواقف الحازمة. وعلى اللبنانيين ان يفكروا كثيراً في هذا الموضوع.

    لكن مشكلتنا ان نظامنا هش وتتحكم فيه الطائفية وزعاماتنا السياسية ترتبط بالدين؟

    الجواب السهل ان اللبنانيين متعلقون بهذه الزعامات والا لزالت، وبالتالي علينا معالجة موضوع أكبر من الزعامات. نحن مثل البحرين واليمن ولدينا انقسام عمودي. مثلاً، عندما طرح الموضوع الفلسطيني انقسم لبنان على اساس طائفي بين مسلم ومسيحي، فتعطّل البنيان الدستوري وتصدّع الكيان. ثم طرح موضوع المقاومة وكذلك تصدّع البلد مرة اخرى على اساس مذهبي، وتحوّل الطرف المسيحي رافداً للطرفين اكثر مما كان في المرحلة الفلسطينية. لذا علينا ان نسأل لماذا كلما طرح هذا الموضوع نعجز عن معالجته ويحصل انقسام وشرخ خطيران؟ لأنه عملياً ثمة خلاف حقيقي بين اللبنانيين يترجم في السياسة الداخلية بأشكال شتى. وهنا أعود الى المقارنة مع البحرين واليمن وما يحصل فيهما من انتفاضة. لكن نجاح الانتفاضة في البحرين مرتبط بأهمية مخاطبة الاقلية السنية وأن يقتنع جزء منها ان نظام الحكم في حاجة الى تعديل. لكن اذا اتخذت هذه الاقلية موقفاً متصلباً ودعمت السلطة كما هي فلا يعود مشروع انتفاضة بل مشروع حرب أهلية.

    في السابق حوّلنا انقسامنا الداخلي حرباً اهلية، واليوم نعيش حرباً أهلية باردة. هاجسنا الاول في لبنان ان نخفف حدة انقسامنا على الاقل على المدى القريب لنواجه 3 أخطار: عدوان اسرائيلي جديد، انهيار النظام المصرفي والمالي، وانتقال خلافنا الى حرب اهلية، وهي أخطار جاثمة وحقيقية. ومعالجتها لا تتم بدرجة حرارة مرتفعة. وأتوجه بالقول تحديداً الى المسيحيين في لبنان، ان تخفيف حدة الصراع المذهبي داخل الاسلام من مصلحة المسيحيين وليس ضد مصلحتهم. بعد ذلك يجب، وبإصرار شديد، واذا تطلب الامر انتفاضة شبابية، الضغط للبحث عن نظام سياسي جديد. لقد أضعنا فرصة نادرة في التسعينات لأن الطائف كان اتفاق تسوية للخروج من الحرب ولم يكن بحثاً عن نموذج سياسي متقدم. لقد تمسكنا به كأنه كتاب مقدس أو رفضناه بوصفه الرذيلة الاعظم، وبالتالي نسينا جوهر المفهوم الذي هو مفهوم تسوية للخروج من الازمة، والتي كان يجب أن تليها فوراً مرحلة انتقالية للبحث عن نظام سياسي متقدم. واليوم يحصل الامر عينه، يجب ان نتدارك الاخطار الداهمة ثم فتح المجال للورشة السياسية الدستورية وللبحث فعلاً عن نظام دستوري وسياسي متقدم يليق بلبنان.

    في مرحلة التغيير هذه في العالم العربي هل على لبنان أن يبقى في غرفة الانتظار ام ماذا يفعل وحكومته لم تستطع بعد ان تتشكّل؟

    انا خرجت من السياسة اللبنانية وكلامي لا علاقة له بالجدل السياسي الذي لا أتابعه. ما يهمني من صعوبة تأليف الحكومة هو الصعوبة الدائمة في تأليف الحكومات، اذاً هي صعوبة عضوية. لدي انطباع انه في كل استحقاق سياسي او دستوري تحصل امور مَرَضية: الاول مبالغة كل الاطراف في حجمهم وتأثيرهم مما يجعل الاستحقاقات صعبة. أما المرض الثاني فهو تضخيم معنى كل استحقاق ومغزاه الى اقصى الحدود، لذلك كل الاطراف يقتربون من هذه الاستحقاقات بوصفها مفاصل تاريخية بالغة الاهمية، وهي ليست كذلك. والثالث هو الاستقواء بالخارج في كل استحقاق، مما يشير الى خلل في النظام.

    اليوم “الاصحاب” في الخارج غير معنيين بنا ويهتمون بما يحصل عندهم وهم مربكون داخلياً، فما العمل في لبنان؟

    اذا خففنا المبالغة بأنفسنا وبحجم خطورة كل استحقاقاتنا واعتبرنا ان استقواءنا بالخارج مربوط بالمشاكل الداخلية في كل الدول العربية من دون استثناء، عندها يمكن الدخول في تسوية على هذه الاخطار.

    الى أين نحن ذاهبون في المحكمة الدولية؟ وهل من الممكن ان تخضع ايضاً للمساومات الساسية؟

    المحكمة في حالة أهدأ بكثير مما كانت قبل أشهر. لقد حصلت حملة استباقية واعلامية لا سابق لها على القرار الظني والمحكمة الدولية، وسيحكم التاريخ اذا نفعت الذين قاموا بها أو أضرّتهم.

    هامش التفاصيل أقل بكثير من قصة بقاء المحكمة او زوالها. لقد اكتشف اللبنانيون متأخرين ان المحاكم الاخرى في العالم 11 فيها تسريبات أكثر بكثير من المحكمة الخاصة بلبنان.

    يمكن ان تأتي حكومة تتعامل مع المحكمة وأخرى لا، كما تبيّن من الحملة على تسييسها وعدمها انها حملة داخلية متينة، لكن المحاكم في لاهاي تعيش في غير زمن، مما يزعج الطرفين. اذ ان من ينتظر الكثير من المحكمة يشعر بأنها بطيئة، وأن من يخافها يقول انها مسيسة ومضعضعة. أتمنى ان يحصل نوع من التطبيع لوضع المحكمة الدولية في اذهان اللبنانيين لأنهم لن يستطيعوا الغاءها ولا استعمالها، وستسير وفق مفهومها ووفق علل هذه المحاكم ومحاسنها.

    في ظل هذه التغييرات، ما مصير المسيحيين في الشرق الاوسط؟

    هذا موضوع في غاية الاهمية. لقد خدمت في الامم المتحدة في العراق، ورأيت بأم العين أموراً غير مريحة على الاطلاق. حدسي انه على عكس ما يتم الاعتقاد، المسيحيون تحديداً لهم مصلحة في انظمة ديموقراطية اكثر من التعلق بأنظمة تسلطية. لكن هل مستوى الثقافة السياسية سيسمح للاحزاب الديموقراطية والحياة الديموقراطية بأن تتنبه وتضع هذا الموضوع في مكانه الحقيقي؟ ربما نعم وربما لا.

    ثمة مصلحة كبرى عند المسيحيين ان ينمّوا مبدأ المواطنة، وهذا ملجأهم الوحيد، أما الملاجىء الاخرى فغير متوافرة. لا اعتقد ان ما حصل في جنوب السودان هو نموذج لبقية المنطقة، واذا كان الانفصال نوعاً من انواع رفض التهميش فهو غير متاح في رأيي. الواقعية تفرض امراً آخر لأن ثمة اوضاعاً غير مقبولة، ويجب الجهر بأن الاوضاع غير مقبولة.

    لست أكيداً ان الكنائس المشرقية لديها تصور مفيد لهذا الامر، لذا يجب ان يأخذ العاملون في الشأن العام من علمانيي هذه الطوائف مكان الاكليروس للبحث عن هذه الامور وفرضها على السلطات الكنسية وليس انتظار شيء منها.

    والمخرج الوحيد المتاح هو اقناع الاكثريات الاسلامية اكثر بموضوع المواطنة.

    هل سينودس الشرق الاوسط يعي هذا الموضوع؟

    لا اعتقد ان روما اليوم في وضعها الأفضل لتفهّم هذه المشكلات، فالبابا الحالي مثقف كبير لكنه شديد الاوروبية في نظرته الى المسيحية. علماً ان اوروبا لم تعد مركزاً للكاثوليكية ولا للانغليكانية. يعني ثمة امكان لتصور فاتيكاني مختلف في هذا الموضوع.

    غسان حجار وألين فرح
    جريدة النهار
    21.02.2011

    Leave a Reply