• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أزمة النظام اللبناني ومأزق الجوار

    لا يبدو أن النظام اللبناني المأزوم مرشح في السنوات المقبلة إلى تخطي انسداداته البنيوية على أكثر من مستوى، ولا يبدو أيضاً أن الأنظمة العربية الآخذة في توريث أزماتها، قابلة هي الأخرى لإحداث أي تحول ايجابي طالما أنها لم تنجح حتى اللحظة في بناء دول حديثة.

    ما حدث في لبنان قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعده، يكشف عن معطيات نوعية عدة، لعل أهمها هشاشة الوضع الأمني ودخوله في ما أسماه كمال جنبلاط بغابة الذئاب، الداخلية، والاقليمية. وبصرف النظر عن الجواب الذي تقدمه الدولة المدنية لحل معضلات لبنان المزمنة، بما تتيحه من توطيد أواصر المواطنَة وإلغاء الطائفية السياسية، فإن اتفاق الطائف الناظم الموقت لعنفيات الطوائف ودخولها إلى السلطة، ما استطاع طرح منظومة دستورية، قادرة على احتواء التناقضات، وإلاّ ما معنى تجدد دورات العنف الدوري، وهواجس الحرب الأهلية، والتي إن دلت على شيء، فعلى أزمة النظام نفسه؟!. ونحن لا ندعو إلى التطبيق اللاتراكمي للأتاتوركية، التي أدخلت تركيا في الدولة الحديثة، فما حدث هناك منذ أكثر من تسعة عقود، يختلف عن التركيبة اللبنانية، فلم يكن السؤال الديني حاضراً عندهم، رغم ما أحدثته الاجراءات من صدمة في الهوية، فمنذ عام 1860 حتى اللحظة الراهنة، ما برحت الطوائف تتقاذف ارثها وذاكرتها، ولم تنجح في إرساء قواعد الدولة؛ والحال لماذا كل هذه الممانعة؟ وهل ثمة لعبة متبادلة بين رجال السلطة وحراس العقيدة؟ وأيهما أخطر، الوهم الديني أم الوهم السياسي؟ كلاهما يتسلح بإرثه الايديولوجي، وما إن يختفي الزعيم المدني حتى يظهر ممثل الطائفة والناطق بإسمها، والأشد وقعاً في تاريخ لبنان الحديث أن الأجيال تنمو على التورية وعلى مخافة المختلف، كما لو أن التعدد يحاصرها ويهدر حقها الوجودي، ولعل أوهام الديموغرافية التي تلاحق غالبية اللبنانيين تبرهن على مؤاشرات شديدة العمق، في التاريخ وفي الجغرافيا، وفي الموروث الثقافي الملتبس، وربما تشكل الأمثال الشعبية ذات الصبغة المذهبية والدينية، دليلاً يحفز العقل ويقلقه في آن.

    حرب تلِّد أخرى، على هذا الإيقاع توارث النظام اللبناني عنفه الطائفي، وانتقل من منزلق إلى آخر، من دون أن يجرؤ على دعم الاتجاهات التجاوزية، كما لو أن هناك استعصاء ذاتيا وهوياتيا يدفع بالبنى ما قبل الدولتية إلى التمظهر في أزمنة مختلفة، أو لنقل في نمط من البدوقراطية كما صنفها العلاّمة خليل أحمد خليل، والتي من الواضح أنها ظاهرة متفاقمة في العالم العربي، وليس في لبنان فقط، المفتوح بدوره على محيط اقليمي، تتكاثر فيه الارتدادات الدينية، والنماذج الثيوقراطية، وإن ارتدت لباس المدنية المقنعة. هذا المشهد يحيلنا إلى طرح إشكاليات أعمق: لماذا عجز الفكر القومي واليساري المعدّل الذي شهد ذروة حِراكه في القرن المنصرم عن تدشين مشروعاته؟.

    وبالعودة إلى النظام اللبناني المأزوم، الذي تتكاثر حوله التساؤلات والرهانات، بين القوى السياسية التي لا يجمعها سوى التناقض، يتضح جلياً، أن ثمة فجوات تعتري دستور الجمهورية الثانية إذا جاز التعبير، فجزء من الاتفاق تمّ تطبيقه، والجزء الأهم المتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، المرض العضال الذي أدخلنا في حروب مستدامة، لم يطبق بعد، وفجأة تظهر معادلات الأرقام الديموغرافية، التي تخيف أطراف التعدد الديني، وتدفعها إلى استدعاء مقولات تعيدنا إلى نقطة الصفر. القلق الذي تشعر به كافة الطوائف في لبنان عوامله تاريخية، ويعبّر بالضرورة عن عجز النظام، ويتداخل فيه المحلي مع الاقليمي، فكل تحول سياسي شهده المجال العربي انعكس علينا، من دون أن يعني ذلك أننا ندعو إلى حياد لبنان عن محيطه، ومن دون أن يعني ذلك أننا من دعاة المؤامرة الخارجية، ولكن القراءة العلمية لعنف 1975، تبرهن على انفتاح الملف اللبناني على المآزق الاقليمية، فهل هي صدفة التقاطع التاريخي بين اتفاقية كامب دافيد والحرب الأهلية؟ وهل أوضحت الحرب حجم التسويات العربية _ العربية والعربية _ الغربية؟ والأهم لماذا لم تنتج الحرب الأهلية حلولاً نهائية كما حدث في أوروبا؟

    لا شك أن الاصلاح الذي خاضته الانتلجنسيا الاوروبية المترافق مع الثورة الصناعية، هو الذي أخرجها من عصور التكبيل إلى أزمنة التثوير، أي ثورة الفكر الحداثوي الذي قطع مع الاقطاع الديني /السياسي، وإلاّ كيف يمكننا أن نفهم دعوة كانط حين قال “إن الاصلاح هو المدخل لكل شيء”، ورغم أن المقارنة بين أوروبا القرون الوسطى ولبنان تستدعي أكثر من فرضية، لكن تمثلات التحديث عندنا تسير ببطء شديد، وإذا عدنا إلى الأنموذج السويسري لعرفنا أنه لم يصل إلى الرفاه والأمن الاجتماعيين، إلاّ بعد تصالح الاوروبيين مع مجالهم الجيواستراتيجي.

    بناءً على ما تقدم، إن أزمة لبنان تعكس مآزق العالم العربي، الذي لم يفلح في بناء رؤية سياسية جامعة تحميه من الارتدادات الخارجية، ما جعله عرضة للعنف السياسي، المبعثر في ديار العرب المترامية، فهل يصح لنا الاستشهاد بإبن خلدون؟ وهل يصح ما قيل في عالم العرب “لا يفلّ الأعراب إلاّ الأعراب؟”. أزمة النظام اللبناني جزء من انسداد الافق في العالم العربي، وجزء من طائفية النظام المدمرة؛ وتجدد العنف في لبنان، جزء لا يتجزأ من معضلة بناء الدولة الحديثة؛ فمتى غابت الدولة حضر العنف، ولا يمكن لأي عاقل أن يفصل بين المسارين.

    ريتا فرج
    جريدة المستقبل
    18.02.2011

    Leave a Reply