• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عندمـا يعاقـب الشـعب حكّامـه

    السمة المشتركة للحكام العرب، من رتبة رئيس وزراء وما فوق، هي عدم القدرة على التعلم من دروس الماضي والحاضر. يؤثر عنهم أنهم لا يقرأون التاريخ، فهذا الأمر يفوق طاقتهم العقلية. أما أن لا يروا الحاضر ولا يشاهدوا تساقط حكام آخرين ويصرون مع ذلك على اتباع الأساليب نفسها بمراسيم وتعابير مشابهة، فهذا الدليل على قدرٍ كبير من الغباء.

    ما أن يعتلي أحدهم السلطة أو يرثها حتى يظن أنها حق مقدر له، وأنه اكتسب الحق بمباركة إلهية لما قدمه من خدمات لشعبه، فكأن الشعب الذي يسقط حكامه عقوق ليس من شيمه الوفاء.

    أهمية الديمقراطية ليست في تمثيل الشعب والتعبير عن إرادته، بل هي في تداول السلطة، تداولها في أوقات محددة، أربع إلى ست سنوات. لست ممّن يؤمنون أن الشعب يعبر عن نفسه بواسطة نوابه، بل أن نوابه الذين يعتبرون ممثلين للشعب هم وكلاء يعبرون عن مصالحهم هم، وعن آرائهم هم، وعن طبقتهم هم. تداول السلطة هو الأهم. لو دامت لغيرك لما آلت إليك. تداول السلطة هو الواجب الأهم في الديمقراطية.

    أما القدرة العقلية والذهنية فهي شيء آخر. مصيبة كبرى أن لا يرى من في السلطة أن إنجازاته الضئيلة أو المعدومة لا تخوله البقاء فيها. لكننا في بلدٍ تتآكّله الطائفية. الطائفية تحمي الكسالى والفاشلين وحتى المرتكبين دون استثناء لطائفة أو مذهب.

    الأدهى من ذلك أن الناس يدافعون عن هذا الزعيم أو ذاك بداعي صغر السن المسبب لعدم الكفاءة، فكأن الحاكم يتعلم بالناس وعلى حسابهم لا على حسابه. كنا نعتبر أن المدرسة والجامعة مهمتهما التعليم من أجل تخريج خريجين ذوي كفاءة لمختلف المناصب، فإذا الطائفة تنجب زعماء بقامات عقلية محدودة وتدفعهم للتعلم في الحقل، على حساب الناس، علماً بأنه انقضى عصر التعلم في الحقل منذ أن كانت الزراعة هي المورد الأساسي. مع تطور الصناعة وأخواتها صار التعلم مسبقاً شرطا من شروط المهنة. لا يستطيع عامل في العصر الصناعي، أن يعمل على آلة من دون أن يعرف كيف تعمل الآلة.

    من البحرين إلى اليمن، إلى غيرهما، نرى حكاماً يفاجأون بردة فعل الشعب. من نِعَم الدنيا أنه صار للشعب صوت. وصوت الشعب يجب أن يسمع. ولا يسمع صوت الشعب إلا في الشارع. لم يبق للشعب غير الشارع مكاناً يرفع صوته فيه. وعندما يفاجأ الحاكم يؤلف لجنة تحقيق، فكأنه لم يكن يعرف ما ترتكبه الأجهزة التابعة له، والتي يشرف عليها؛ وكأنه لديه مهمة أخرى غير هذه المهمة. غير مقبول من أي حاكم أن يدعي عدم معرفته بما يجري في دهاليز السلطة وخارجها على يد أجهزتها.

    مهمة الحاكم أن يدير مجتمعه. وعليه أن يتباهى بإنجازاته، لا بمجرد كونه في السلطة. وعلى الناس، ومن ينوب عنهم في المجالس التمثيلية محاسبة الحكام على الإنجاز، لا على أي شيء آخر، سواء كان نبل المحتد أو وسامة الشكل أو أناقة الملبس أو حجم العرش الموروث.

    ما يحدث في مختلف أجزاء الوطن العربي هو ثورة حقيقية، تنتقل من قطر إلى آخر. سبب الثورة أن الناس سئموا من وجودهم في ظل حكام لا ينجزون، أو هم يعجزون عن الإنجاز. يسمونها ثورة الكرامة لأنها تتعلق بالوجود البشري المادي والمعنوي. إنها ثورة الكرامة لأن كل ما في الوجود العربي مستباح، معيشياً وقومياً.

    الكرامة هي أن يعيش البشري في مجتمعه من دون قلق على مصدر لقمة العيش، ومن دون قلق على النتائج المترتبة على ما يفكر فيه أو ما يقوله. الكرامة أن يعيش البشري حياة إنسانية: يشارك في تقرير مجتمعه ودولته، من دون أن يخشى عاقبة ذلك.

    تعوّد العربي، منذ عقود من السنين، أن يعيش معتبراً وجوده منحة، أو منّة عليه ممن يحكم أو يتسلط، في الوقت الذي يعتبر وجود الحاكم ضرورة أو بحكم الضرورة المنطقية أو الإلهية. تعود العربي أن يعتبر وجوده إضافة للحاكم، لا العكس.

    مضى هذا الزمن وانقضى. فجأة تهب عاصفة التغيير، وهي سريعة الحركة. يعتبرها ثورة كل الباحثين والدارسين والكاتبين في العالم، هي ثورة لأن وعي الناس أحدث تحولات أدت إلى اعتبار الوضع الراهن غير مقبول. رفض الناس واقعهم وتحركوا باتجاه واقع آخر. تحركوا، من دون أن يتوقع أحد ذلك، ومن دون أن تستطيع أجهزة المخابرات العربية والعالمية توقع ذلك. الأمر ثورة ولو كره الحكام. ومن حسن الحظ أنها لم يتوقعها أحد.

    لكنهم حكام أغبياء، لا يعرفون، وليسوا على استعداد لأن يعرفوا، ولا يتمتعون بالقدرة على المعرفة. لا نأسف على ذهابهم. ونطالب، كما يطالب غيرنا، بمحاسبتهم. من لا ينجز يستحق العقاب. من لا ينجز خيراً خلال فترة حكمه يستحق أن يعزل وأن يحاسب. الفساد جزء من عدم الإنجاز. يؤدي عدم الإنجاز إلى هدر إمكانات الشعوب وعدم استخدامها في خدمة الناس. وهذا هو الفساد الأكبر. ما نتمناه هو أن يحاسب الحكام المعزولون على الفساد الأكبر، لا على الفساد الأصغر (سرقة ونهب أموال الدولة والشعب) وحسب.

    ربما اعتبر الحاكم المعزول أن عزله إهانة له. لكن حكامنا أهانونا دهراً طويلاً، أهانوا عقلنا وذكاءنا. الإهانات خفضت مستوى قدرتنا الذهنية. تكتمنا على أفكارنا ومشاعرنا زمناً طويلاً. جاء الوقت كي تتفتح الأزهار. يبدو أن الناس رغم ما لحق بهم وبعقولهم وبأجسادهم، هم أعلى مستوى في المعرفة والفهم من حكامهم ونخبهم الثقافية والسياسية.

    جاء الوقت كي يتعلم الحكام وأتباعهم من شعوبهم. وجاء الوقت كي تحاسبهم شعوبهم. فليكن الحساب عقاباً لهم. وليكن العقاب بما يستحقون.

    الفضل شلق
    جريدة السفير
    18.02.2011

    Leave a Reply