• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    وُجــِدَ الـشعــب

    لم يكن معهم ميرابو ولا دانتون ولا الخميني، كان اسمهم الميدان والشارع، كان اسمهم أيضاً القاهرة، الاسكندرية، المنصورة، الفيوم… لو أردنا أسماء أوضح فإن علينا أن نفتش في بطون التاريخ، وربما في بطون الحكايات، أو ربما في بطون الاشعار الشعبية. سنجدهم دائماً مزملين بدمائهم ومدفونين بدمائهم، ودائماً بأي اسم، أو بأسماء الساحات التي سقطوا عليها، ودائماً بذلك الاسم الكبير الأمومي: مصر.

    كانوا مضغوا إهانات بلا حصر ومرارات بلا حصر. كبروا والإهانات تكبر معهم، الجوع يتحول مع الأيام إلى إهانة، الفقر يغدو مذلة يومية. كانوا بالكاد يرفعون رؤوسهم، بالكاد يعرضون صفحات وجوههم للشمس والهواء. كان هناك أيضاً ذلك الجهاز المتوحش الذي تضخم بلا انقطاع: مليون وربع مليون من الشرطة، بيروقراطية دهرية جاثمة، رجال أعمال هم أيضاً آكلو جثث ومصاصو دماء ولصوص، أسرة حاكمة تسخر من بؤسهم وتريد أن تتوارث تعذيبهم، وصنم لم يبرح مكانه من ثلاثين عاماً، وكهنة يبخرون ومثقفون مباعون. كانوا جياعاً ومتبطلين لكنهم وقد أتوا من كل مكان، لم يجتمعوا من قبل ونزلوا بلا خطة ولا اتفاق. كانوا جياعاً لكنهم لم يطلبوا خبزاً لقد عرفوا من أين يأتي الجوع. لم يطلبوا خبزاً لقد فكروا نعم، ملايين الناس واتتها ذات الفكرة، ملايين اتفقت على حلم واحد. ملايين وجدت الهدف نفسه: الهواء، الحرية، رحيل الصنم، رحيل النظام. حين قالوا «رحيل النظام». قلنا إنهم لا يفرقون بين النظام والحكم، لكنهم أيضاً بالبساطة نفسها عرفوا الفرق: رحيل النظام يعني تغيير العلاقات، طرد الزمرة الحاكمة لكن أيضاً تغيير مفهوم الدولة، تغيير القانون. لقد عرفوا الفرق، عرفوا الهدف ووقفوا عنده: رحيل مبارك، ما دام مبارك موجوداً فالأسرة موجودة والحزب الحاكم موجود والدولة القابضة موجودة والشرطة موجودة. ما دام مبارك رئيساً فلن يتغير شيء. لا بد أن يُطرد ويخرج معه كل هؤلاء. لا بد أن يخرج ليكون التغيير ممكناً وذا معنى، لا بد أن يخرج ليكون هذا درساً وعبرة للجميع.

    الذين يطالبون هنا وهناك بقيام الدولة، لا يعرفون أن المطلوب أولاً قيام الشعب، ما حصل في مصر يعني هذا أولاً، لقد وجد الشعب. وجد الشعب نفسه وعرف نفسه، منذ هذا الحين لن تقوم في مصر دولة كرتونية، لن تقوم في مصر دولة بلا شعب، دولة، الشعب بقرتها المطيعة والشعب لعبتها والشعب سوقها والشعب عبيدها. لن تقوم دولة ما تبني وتهدم وتشتري وتبيع من دون أي حسيب، لن توجد بعد دولة تسخر من شعبها وتتاجر به كل يوم، لن توجد بعد دولة تسلط شرطتها على الناس وتقتلهم تحت التعذيب وتحتجزهم في سجون قائمة وسجون لا مرئية، لن تكون هناك دولة يتمرغ في ترابها مثقفون وأهل رأي وطلاب مواقع، لن تكون هناك دولة يُدعى لها ولرئيسها في المساجد والكنائس ويجلس رؤساؤها حيث يجلس الله. لقد وجد الشعب هذا هو الاكتشاف التونسي المصري. بل هذا هو الآن الاكتشاف المصري، 80 مليوناً لم يعودوا هملاً ولا لكرات 80 مليوناً ما عادوا يختصرون في الصنم الرئاسي ولا في الاستعراض العسكري ولا في الحزب الحاكم، إنهم موجودون ولهم الشارع، ولقد عرفوا أنفسهم ولن يدلهم بعد أحد.

    لا نعرف أسماءهم، لكن ماذا يهمنا من أسمائهم. خيراً أنهم لم يقولوها. الاسم شبه الوحيد الذي عرفناه «خالد سعيد» هو منذ الآن فصاعداً اسم كل الموتى تحت التعذيب، سيكون هناك اسم واحد لكل المسجونين، اسم واحد لكل الشهداء، اسم واحد لكل الشبان، اسم واحد لكل الذين صنعوا هذا الفجر، اسم أمومي حنون: مصر.

    لكننا مع ذلك من فرط فرحنا نبكي، نبكي لأننا عشنا حتى شهدنا هذا الفجر، نبكي من أجل المئات التي لم تشهده لأنها صنعته بدمائها وعذاباتها. نبكي لأننا ولدنا اليوم، نبكي لأننا وجدنا قبل أن نختفي، لأنهم اكتشفونا قبل ان نضيع، لأننا وجدنا بلاداً ومستقبلاً، ولأن الشعوب سيعاد اكتشافها في كل بلادنا، سنراهن على انها جميعها ستوجد، هكذا ندخل العالم. هكذا ندخل العصر.

    قادنا حكامنا إلى الموتى، قادنا سلفيونا إلى الانتحار لكننا أخيراً، وربما بنعمة لا نعرف من أين استحقينا الحياة، استحقيناها ويجدر بنا أن نمدحها بتلك اللغة التي ورثناها جميعاً واشتركنا معاً في حبها وكرهها والتي تبقى مع ذلك ميراثنا وإرثنا. نحن الذين نعبر عليها إلى الجميع سنرى قارتنا وعالمنا ينغسل ويتخلص من وصمته. سنراه يتحول يوماً بعد يوم وبلداً بعد بلد إلى حديقة للحرية، حديقة للجماعات الحرة والأفراد الأحرار. سنتمكن بعد اليوم من أن نتكلم. بدون خجل بها، سنتمكن من ان نرسم بحروفها خارطتنا الجديدة. سنتمكن من أن نؤلف نشيدنا. سيكون لنا قدر، سيكون لنا مستقبل، سيكون لنا رأس فخور وقلب فخور وكرامة، وسنأكل خبزنا بدون مذلة. سنولد بلا لعنة مصاحبة.

    سيكون لنا نشيدنا العظيم. سيكون لنا اسم وسنستحق أسماءنا. ستكون لنا صفات وسنستحق صفاتنا. وُجِد الشعبْ، أشياء أخرى ستوجد، لقد وجدنا في العالم، وجدنا في العصر. الأنباء ستأتي، يكفي أن نصغي يكفي أن نشارك.

    عباس بيضون
    جريدة السفير
    13.02.2011

    Leave a Reply