• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كسر جدار الخوف وأسئلة التحوّلات المقبلة

    يتطلّب استخلاص العبر مما جرى في تونس ومصر مزيداً من الوقت، خاصة إن أردنا التمييز بين التجربتين والمقارنة بين أسبابهما وأشكالهما. كما يتطلّب الحديث عن مؤدّياتهما بعض الهدوء نظراً لانطلاق مسارات ما زالت متعرّجة وشائكة ويمكن أن تشهد الكثير من الانعطافات الخطيرة في الأيام والأسابيع المقبلة.

    غير أن قراءة أوّلية للحدثين الكبيرين يمكن أن ترشدنا الى بضعة استنتاجات منها:

    – أن انطلاق التحرّكات تطلّب شرارة عاطفية وانفعالاً حاداً حطّم قيود الرقابة الذاتية وأنهى التطبيع مع الخوف محرّراً الفرد والمجموعة من الثقل الرمزي لمؤسسات الاستبداد دافعاً الى مواجهتها.

    – أن طرد الخوف دفع التعبير عن الغضب المتراكم لسنوات أو عقود الى حدوده القصوى، مكثفاً لحظة المواجهة، ومحوّلاً الانتفاض على الظلم والقمع الى تمرّد على الذات، والى سعي للانتقام في غضون ساعات من قمع عقود.

    – أن النزول الى الساحات العامة التي كانت حكراً على احتفالات النظامين بما يسمّيانه إنجازات ومبايعات حطّمت سطوة النظامين وأقامت لأول مرة منذ زمن بعيد جسراً بين الحيّزين الخاص والعام يعبره المواطنون بتحدّ ثم بتحرّر.

    – أن حرق صور الرئيسين التي كانت في حضورها اليومي في مختلف الساحات وبالأحجام العملاقة تُشعر المواطنين بعين ما تراقبهم وتفترض طاعتهم، أنهى سطوة الترهيب المتنقّل على الدوام بين المباشر والرمزي.

    كما أنه أنهى القدسية التي لطالما يريد المستبدّون إحاطة أنفسهم بها، عبر ادّعاءات الأبوّة والقيادة، وعبر الظهور على الدوام في لحظات تلويح للجماهير المصفّقة لهم والبادية وكأنها في حضرة آباء لها ترفعهم على الأكف والأكتاف. فإذا بكل هذا الحقل من الرموز والطقوس المزوّرة يتداعى أمام ملصقات رئاسية عملاقة تتهاوى في القاهرة أو في تونس.

    – أن الناس قادرون على الصمود في الشارع والمثابرة ورفض التوقف عن إنجاز أهدافهم ما داموا يشعرون بانفتاح الأفق أمام المزيد من الإنجازات، وما داموا يلمسون أن آلة القمع فقدت المبادرة، أو أنها لم تعد كافية لممارسة بطشها نظراً لحجم الحضور الشعبي الضخم المواجه لها.

    – أن الظروف المعيشية للناس، في ظل اقتصادات متهالكة وفساد مستشري وثروات مستفزّة لها قدرة تحريك استخفّ بها أكثر الأطراف السياسية مقدّمين عليها قضايا قانونية أو متصلة بالسياسات الخارجية هي لا شكّ هامة جداً، لكن التعبئة حولها لا تكتمل من دون الأجندة الاقتصادية-الاجتماعية الداخلية المقرونة بوضوح بمسألة الحرية ورفض الاستبداد ومظالمه، لا سيما في بلاد تحوي عشرات ملايين الفقراء، كما هي حال مصر.

    – أن الخارج، لا سيما الولايات المتحدة الاميركية (في الحالتين) ومن بعدها فرنسا (في الحالة التونسية)، يصبح في لحظة ثانوياً في تأثيره مرتبكاً في مواقفه غير قادر على التماسك وفق منطق واحد، فينتقل بين لحظة وأخرى من إعلان تواصل وتنسيق وعرض دعم الى مناشدة بوقف العنف الى المطالبة بالإصلاح الى تبني حركة الاحتجاجات، ولو لفظاً. وهذا لا يعني في أي حال إنعدام تأثيره، خاصة على المديين المتوسّط والبعيد، أي بعد هدوء الأمور ورسوّها على واقع جديد. فللخارج القدرات الاقتصادية والسياسية العميقة التأثير. لكنها جميعها تبدو عاجزة في لحظة الهبة الشعبية عن فهم ما يجري وتقدير أبعاده. ويبان في لحظات كهذه كم أن أحاديث المخططات الخارجية والمكائد السائدة تضج بالمبالغات.

    أن الآثار السياسية لعصر المعلومات وللعولمة تلعب الدور الحاسم في لحظات كالتي نعيش. فالفضائيات تعمّم الصور المباشرة، ومواقع الانترنت والمدوّنات تنقل المعلومات والأخبار والمشاعر التي لا يقوى جهاز على قمعها، والمواقع الالكترونية الاجتماعية مثل الفايسبوك والتويتر واليوتيوب وغيرها تصبح أدوات التعبئة الأكثر فاعلية، والهواتف المحمولة بكاميراتها الذاتية وبخدمة الرسائل القصيرة تتحوّل سلاحاً فائق الأهمية يصعب ضبطها أو توقيف أصحابها. وهذا كله يولّد مع الحدث تعاطفاً مباشراً، أي من دون مفعول رجعي (وبعد فوات الأوان أحياناً) كما كان يجري في السابق، ويحرّك الناس في كل حدب وصوب في نفس التوقيت وبغير حاجة الى تنسيق للتعبير عن التضامن والتعاطف. والأهم أنه ينقل العدوى ويثير الحسد ويدفع للتماهي مع الشبيه الثائر في دول تعاني مما يعاني منه الضحايا-المنتفضون والمنتصرون.

    على أن ما يمكن التوقف عنده أيضاً في الحالتين التونسية والمصرية على اختلافهما، مرتبط بعنصرين غير موجودين في الكثير من البلدان العربية الأخرى، لا سيما المشرقية منها. فالنظامان التونسي والمصري هما نظامان بلا قواعد اجتماعية أو طائفية أو قبلية – مناطقية تدافع عنهما. وحتى لو أن عائلات محددة ورجال أعمال وأجهزة حزبية متضخّمة يشكلون الوعاء الذي يتحرّك فيه النظام ويمدّ أتباعه بالمال ويعزّز فسادهم ليوظّف شبكاتهم الزبائنية في آليات تسويق له وإنتاج لبعض نخبه، إلا أنها جميعها تبقى دون قدرة الصمود الحاسمة إن لم تكن المؤسسات الأمنية بكاملها داعمة لها. وهذا الدعم لم نره في تونس حيث بدا الجيش جيشاً للدولة أكثر منه جيشاً للنظام مؤثراً رحيل رأس النظام على ترك الدولة – وهو في صلبها – تنهار أمام موجات الغضب الشعبي. وهذا الدعم أيضاً لم نره في مصر ولو أن الجيش هناك هو العامود الفقري للدولة وللنظام في آن واحد. إلا أنه أمام حجم الهبّة الشعبية، قرّر تجنّب الدفاع عن النظام قبل تعديلات في شكل الأخير وقبل تفويض مباشر له لضبط الأمور والتفاوض مع جميع الأطراف للاستمرار عاموداً فقرياً لكل من الدولة المستمرة والنظام المتبدّل، إن في مرحلته الانتقالية، أو في مستقبله الأقرب، ولو اقتضى الأمر التضحية ببعض الاستقرار ريثما يسلّم له الجميع بسطوته وسيطرته.

    والأمر هذا يختلف أيضاً عما هي عليه الأمور في الكثير من بلدان المشرق والخليج (وربما الجزائر) حيث قيادات الجيش ومواقع الأمن الاستراتيجة تنتمي طائفياً أو قبلياً أو مناطقياً الى نفس البيئات التي ينتمي إليها الرؤساء وكبار المسؤولين في الدولة، مما يجعلهم في دفاعهم عن النظام إنما يدافعون عن أنفسهم، إلا إن شعروا أن القفز من مركب غارق يمكن أن يقيهم الغرق الجماعي.

    يبقى أن أسئلة يصعب التكهّن بأجوبتها راهناً هي ما ستحدّد بعض الاتجاهات في المرحلة القريبة المقبلة:

    أ- هل سنشهد عمليات تحوّل ديمقراطي تنتج سلطات منتخبة وفق قوانين انتخاب جديد وفصل سلطات وحكم قانون ودستور، أم أننا سنكون أمام مرحلة انتقالية قد تطول (ويمكن أن تتغيّر موازين القوى فيها) تاركة الجيش – في الحالة المصرية – وبعض النخب السياسية القديمة – في الحالة التونسية – تلعب الأدوار الأساسية خلالها؟

    ب- هل سنشهد نزعات استئصالية أو ثأرية يمكن أن تؤذي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتُسقط التمييز الواجب بين الصالح والطالح بحجة الانتماء الى “العهدين السابقين” أو الى المعسكرات السياسية المتنافرة؟

    ج- وما هو الدور المقبل للأخوان المسلمين في البلدين، لا سيما في مصر، وما سيعنيه الأمر من تبدّلات عميقة إن هم تقدّموا ومن إثارة حالات قلق وخوف لدى بعض شركائهم في الانتقاضة الشعبية الحالية، ناهيكم بأطراف الخارج القريب والبعيد؟ وإن تقدّم الأخوان، هل ينبغي التفكير بآثار ما في عدد من الدول الأخرى، لا سيّما في غزة وفي الأردن وفي سوريا (حيث النظام يعتّم على كل ما يجري في تونس ومصر)؟ وهل تصبح تركيا عندها، المحكومة بثنائية الأخوان (بنسختهم الأردوغانية) والجيش في مجتمع متنوّع ومتعدّد نموذجاً يتطلّع إليه أخوان المنطقة العربية؟

    قد يبدو طرح قضية الأخوان هنا مستغرباً عند البعض، خاصة أن حجم الحراك الشعبي كبير لدرجة أنه يُغرق كل الأطراف ويصعّب عليها هضمه واستيعابه. لكن التجربة تفيدنا أن القوة الأكثر تنظيماً هي التي تتقدّم على سائر القوى في حالات الفراغ، حتى ولو كانت تمثّل أقلية شعبية بين أقليات عديدة أُخرى.

    د- وماذا عن السياسات الخارجية للحكومتين المقبلتين، خاصة للحكومة المصرية، التي تحتل بلادها موقعاً استراتيجياً إستثنائي الأهمية إن لجهة الحدود والعلاقة مع إسرائيل أو لجهة التحالف مع الولايات المتحدة أو لجهة الدور (ولو المتراجع) داخل العالمين العربي والإسلامي وفي الحوض المتوسّطي وفي إقليم النيل الأفريقي؟ هل من تبدّل ما قد يطرأ على الإطلالات والعلاقات الإقليمية والدولية لمصر أم أن انطواءً على الذات سنشهده لفترة بهدف ترتيب الأوضاع الداخلية – التي حرّكت الجماهير – قبل بلورة استمرار أو تبدّل خارجي؟

    لا شك أن الأسابيع القادمة ستضج بالتبدّلات والأحداث، وأن العديد من الأجوبة ستبدأ بالظهور، لتولّد من بعدها مباشرة، أسئلة جديدة. وهذه هي حال اللحظات التاريخية حيث التحوّلات تسابق الوقت وحيث كل تقييم يظل دون مقاس الاستحقاقات ودون سرعة الشارع…

    زياد ماجد
    جريدة النهار
    06.02.2011

    Leave a Reply